قهوة بنكهة الفقدان

استمع لشخيره بحنق، اتقلب على سريري محاولة اغلاق أذني بأشد ما يمكنني

يستمر شخيره بالعلو، لا يتوقف أبدا، تزداد النغمات جنونا وتصاعدا

كأنه يتلذذ بتعذيبي، مقرف… أفكر باشمئزاز وأنا أنهض من السرير

القي نظرة كئيبه عليه، كرشه المنتفخة، شواربه الطويلة وفمه المفتوح

أصد مجددا واخرج من الحجرة مسرعة، ارتمي بإرهاق على الأريكة بالصالة

اقلب قنوات التلفاز، تطالعني أفلام فاتن حمامه بالأسود والأبيض

يتغزل بها عمر الشريف، يبدوان في غاية الجمال سوية

جميلة وصغيرة، ووهو وسيم وشاب، زوج مثالي إلى أقصى درجة يصل إليها خيالي

أتنهد بيأس، رومانسية زائفة، لا وجود لها حقيقة، مجرد تمثيل….لا يمكن أن أعيشه…حموضة تحرق صدري

مرارة تتصاعد في داخلي، أشعر وكأن الصالة المتسعة تكاد تطبق على أنفاسي، احاول الاسترخاء والنوم

ولكن هذا شبه مستحيل، اذهب إلى المطبخ، أعد لي قدحا من القهوة التركية

أرى حركة من النافذة التي تطل على الشقة المقابلة

أنسى القدح النحاسي على النار، وأتوقف للحظات، ابن جارتنا في المطبخ

أراه يفتح الأدراج باحثا عن شيء ما، ثم يتوقف فجأة، يلتفت بسرعة

لتلتقي “العيون”، أقف دون شعور هناك، اطالعه

يطالعني بتفكير… ينظر حوله ثم يعاود النظر إلي

أقفل النافذة … أسارع إلى مرآة الحمام … شعري المنكوش … عيناي المرهقتان المنتفختان …شفتاي المشققة

أغسل وجهي وأنشفه سريعا .. أضع كريما مرطبا … أحمر شفاه مرطب ..ثم أعاود الجلوس في الصالة

ابن جارتنا يبلغ من العمر 22 عاما يصغرني بتسع سنوات تقريبا

شديد الجمال  .. فارع الطول .. خريج هندسة مدنية

أمه تقول أنه مازال صغيرا على الزواج ولكني أتذكر أنني تزوجت وأنا أصغر منه بسبع سنوات

كنت للتو أنهيت مرحلتي المتوسطة .. لأتفاجأ بهم يدخلون علي ويطلبون مني التوقيع على مستند ما

سألت والدتي على ماوقعت عليه … وبكت فرحة حتى كاد يغشى عليه وهي ترفع صوتها بالصلاة والسلام على نبي الخلق وآخر المرسلين

أرى شقيقتي تبتسم لي بزيف وهي تربت على رأسي قائلة

” اصبحتِ عروسا …مبروك:

حالة اللاشعور اصابتني … طاوعتهم بلا اهتمام .. اختارت لي والدتي قمصان النوم واختارت شقيقتي فستان الزواج

“لم اهتم لأمرهم ولا لأمر الزوج، سألتهم عن شكله مرة وأثنان، وأخبروني أنه رجل “طيب” ومن عائلة “ملتزمة ومحترمة

“لم تكن هناك تفاصيل أخرى ليبوحون بها، قالوا لي أني سأكتشف الباقي بنفسي، المهم هو “الستر

كانت حياة مملة … لم أشعر بالسعادة يوما …ولا بالحزن يوما

استمرت حالة اللاشعور معي لستة عشر سنة، أذهب لزيارة عائلته وأقاربه، أطهو لهو وجباته “المقدسة” أربي أولاده

أخدمه … في الحقيقة أعمل لأكثر من أربع وعشرين ساعة يوميا

أعمل حتى أكاد أفقد الوعي … يطلب مني أن أهتم بوزني … أن أصفف شعري كما يحب … أن لا تلتصق بي رائحة البصل عند الطهو

“يطلب مني أن أتكلم معه بدلال… أن أراقب التشققات البيضاء على بطني واحاول إيجاد حلا لها … أن أفعل شيئا بطريقة حديثي “القروية

لم أطلب منه بالمقابل أي شيء … كنت دوما أحني رأسي … حتى اصبحت رقبتي تألمني حين أرفعه قليلا

ما هذه الحياة المملة التي عشتها؟! أهذا فعلا ما ستستمر عليه حياتي؟ ألن يحدث شيء ما لينتشلني من هذا البؤس

أن أعيش لستة عشر سنة مغيبة عن الكون

“أن استيقظ ذات يوم لأجد نفسي سمينة مترهلة مجعدة مشققة ربة منزل تنقصها الثقافة و”الإتيكيت

أحرك قدح القهوة بيدي … يشدني سوادها الشديد .. أغوص به

ينشلني صوت ابني الصغير وهو يمشي باتجاهي يطلب مني مرافقته إلى الحمام

أخذه بلا نقاش … ثم يطلب مني أن أسكب له بعض الحليب

اصطحبه إلى المطبخ … أسكب له الحليب وأراقبه للحظات

ثم أرفع عيني إلى النافذة … أرى ابن جارتنا يجلس إلى طاولة المطبخ بهدوء وهو يقرأ كتاب ما

يقف فجأة ليخرج .. ينتبه لي … يشير بيده ملوحا ويبتسم ابتسامة صغيرة

اتنهد وأنا ألملم الخصلات المتطايرة من شعري

….وألوح تلويحة صغيرة جدا ولكنه يخرج دون أن ينتبه لي

!أو هذا ما ظننته

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s