صاحب الخيانه

استرق النظرات ببساطة، عيناه شفتاه أنفه الطويل وحاجبيه الغليظين، كل ما فيه مثالا للكمال ، جميل أكثر مما احتمل،

“يشعرني وكأني انظر للشمس حينما أنظر لوجهه، كلمة واحدة ترن مباشرة في ذهني حين يطالعني بكسل ” وسيم

شديد الوسامة ربما، اسمعه أحيانا يغازل زوجته، لا يفصل بيني وبينه سوى جدارا قصير بحكم عملي معه كمساعدة، استمع إلى مكالماته الكثيرة لزوجته

“والتي تعقبها مكالمات أكثر لعدد من العشيقات وزميلات العمل، كلهن يناديهن بكلمات لذيذة مثل “حبي” و”حياتي”و”عيني” و”قلبي

يدغدغ مشاعري حينما يتوسل إليهن أن لا يغضبن منه وأنه حقا حقا مشغول بعمله

أرتب أوراقي الكثيرة الملقاه على مكتبي، وكأنما أعيد لملمة سنوات عمري الضائعة، أتشاغل بتصفح بعض مواقع الأنترنت، لتطالعني كلمات مرعبة من محرك البحث

“اللعين ” الزواج” و”الحب” و”أين تقضين ليلة رأس السنة مع حبيبك؟

كل ما في الكون يذكرني أني وحيدة، كل ما في الكون يمارس شتى الجرائم الشنيعة في حق وجداني الكئيب

أشعر برغبة تتعاظم في داخلي، أود أن أصرخ، أود أن أذهب إليه وأصب عليه لعناتي وكل هذه المشاعر المكبوتة، يغازلهن من حيث اسمع

يكتب لهن الأشعار، يطلب مني أن أنسق باقات ورد ضخمة لهن على حسابه، يطلب مني أحيانا أن أتسوق لأجل زوجته المسكينه

أقوم بكل هذا بقلب بارد وبلا أي شعور، لا أعرف هل يعتقد أني حقا آلة؟ مثلي مثل جهاز الحاسوب في المكتب، أو مثل الحائط الرفيع الذي يفصل بيني وبينه؟

اتناول المال بأطراف أصابعي، أخشى أن يلمسني بالخطأ، يلمسني بلا شعور وكأنه طبيب اعتاد لمس جسد طبيباته، لا شيء يتغير بوجهه الوسيم، بالنسبة له

أنا…رجل…لست امرأة ولا أنثى ولا نصف أنثى ولا شبه امرأة أو شبه أنثى

أنا مجرد رجل بعينيه…نعم…استحق نظرته هذه…سنوات من الأهمال والتراكم تشكلت في ملامحي وطريقة ارتدائي لحجابي ونظارتي الطبية الضخمة

آسفه…يا سيدي…لم املك الوقت للإهتمام بنفسي أو بجمالي…كنت أصرف على الأيتام في المنزل…لم امتلك الوقت لأصفف شعري أو أشذب اطرافه

أو حتى لأضع الكريمات المرطبة على وجهي…أو لأقلم أظافري في صالون فخم كالذي تذهب إليه نساءك

كان كل ما يشغل بالي منذ صغري..من أي سنأتي بالمال بالمرة القادمة؟؟ من أهل الإحسان؟ من الجمعيات الخيرية؟ من التسول بالطرقات؟

يطلب مني الإنصراف، ويرفع سماعة الهاتف أمامي، يتصل على مديرة أحد الأقسام، يبتسم بسعادة ويترك المحادثة على مكبر الصوت

بالنسبة له..أنا…لا شيء…مثلي كمثل الهواء لا وجود لي…ولكني ضرورية بنفس الوقت…فمن سيقوم بعمله القذر؟

أعود إلى مكتبي…اتصل على سائقه الخاص…ثم اركب معه السيارة واسأله  أن يأخذني إلى محل المجوهرات الذي تفضله سيدته

يأخذني السائق بصمت وهو يضع أغنية لأم كلثوم، تزعجني الأغنية…لا تناسب ذوقي…لا أحبها…أضع يدي بقوة على أذني

لمَ كل ما في هذا الكون وحتى السائق يذكرونني أني مجرد امرأة بائسة وحيده على أرصفة الحياة؟ سأموت هكذا…وحيده…دون أن يذرف أحدهم دموعه علي

أشعر باختناق يتزايد، افتح الباب بسرعة عندما نصل المحل المطلوب، يستقبلني بائعة مبتسمون بابتسامات زائفة، يعرفونني ليست المرأة الأولى التي يرونني بها

يطالعوني بنظرات مختلطة ما بين الإزدراء والشفقة، يناولني أحدهم الهدية المغلفة بعناية، شريطة سوداء ضخمة تعانق العلبة البيضاء الجميلة بلطف

احملها بحذر وأعود له، يأخذها مني دون شكر، يطلب مني كتابة بطاقة صغيرة لزوجته فيها العبارات التالية

“أتمنى أن تعجبك هذه الهدية المتواضعة…يا أجمل هدية تلقيتها من السماء:

عبارة مستفزة لرجل خائن، أشعر برغبة في التقيء على عبارته القذرة ولكني اقاومها بشدة وأنا أقف جانبا

اراقبه يضع بضعة رشات من عطره الثقيل، يضع هاتفه المحمول بهاتفه، يرتدي ساعته الجلدية السوداء الضخمة بدلا من تلك التي ارتداها لأجل عشيقته

يجيد لعب دور الزوج الوفي والعاشق الولهان بمهارة، يمشي بغرور كديك من أمامي، يرمقني بنظرات شفافه وكأني باب أو تحفة

يأمرني بصرامة بكتابة عدد من الخطابات وتنسيق مواعيده وتهنئة السيدة “سمينة” بعيد ميلاد ابنها، وتعزية السيدة “مغرورة” بوفاة ابنها، وحجز طاولة في المطعم الذي تفضله

السيدة “لئيمة” ليتناولا الإفطار في الأسبوع القادم

أهز رأسي كما اعتدت دوما، الكلب الوفي الذي ينتظر أن يربت سيده على رأسه، لا يربت على رأسي بالطبع، بل يرحل بعيدا دون أن يطالعني، اطالعه بنظرات الكلب البائس الحزين

أكاد أهز ذيلي ألما، ألما يعتصرني ليذكرني أي “عانس” أنا، أتوجه لمكتبه، ألملم بقايا منه، رائحة عطره، قلمه الذي لم يضع غطاءه عليه، الشوكولاته التي لم ينتهي من تناولها

!!جهاز حاسوبه الذي بقي مفتوحا على محادثة مع إحدى السيدات الكثيرات في حياته، هل سأنال شرفهن يوما؟ يبقى سؤالا معلقا يداعب مخيلتي المريضة وأنا أختم ما تبقى من يومي الكئيب

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s