ملحق – مشاعر خالدة

تطلعت إليها وهي تتحرك بفرح مع ابنها، تقفز برشاقة من مكان لآخر وتشير إلى الكثير من المعروضات أمامها

ترتدي ملابس شتوية ثقيلة باللون الأسود، الذي انعكس على وجهها وزادها جمالا وضياء

شعرها مموج بعناية، وتضع أحمر شفاه أحمر اللون وتبدو في غاية….الروعة

تنهدت وأنا أشغل نظري بمقتنيات زوجتي التي لا تكاد تنتهي

كانت تشتري وتشتري وتشتري دون أن تتوقف

نظرت إليها وقارنتها لا شعوريا بسمو…كل ما فيها مختلف تماما….خارجيا وداخليا

فركت حاجبي وأنا أشعر بصداع عنيف يهجم على رأسي

“سأخرج لأستنشق بعض الهواء…لا تقلقي…سأرسل لك بعض الخدم:

قلتها وأنا أهرب سريعا منها

لأقف أمام سمو منقطع الأنفاس، تطلعي في اتجاهي، تطلعي في اتجاهي

تطلعت ناحيتي، وتوقفت لثوان وابتسمت بمرح بعدها

ابتسمت لها بارتباك واتجهت نحوي….هل ستصافحني؟ ظننتها لن تفعل أبدا…ظننتها تكرهني

مرت بجانبي سريعا….وكأنني لم أكن واقفا هناك

التفت وأنا أراها تذهب لامرأة…قبيحة وممتلئة الجسد وتعانقها بقوة…يبدو أنها إحدى صديقاتها

خرجت من المتجر…وتبعتها حتى اختفت من أمامي بعدما ركبت سيارة فخمة مع صديقتها وابنها وهي تضحك وتقهقه بصوت مرتفع….ساحر

مشيت في الشارع بلا هدى لدقائق

وتوقفت عند مقهى قريب وجلست به…طلبت قدحا من القهوة المرة وأشعلت سيجارتي لأتنفس ذكرياتي وأخرجها بعيدا

تذكرت عيونا حزينة واسعة…ونبرات مجروحة…صوت يملؤه البكاء…ويأس شديد

العديد من اللقاءات الشرسة التي جمعتنا…لم أكن أتلطف معها بالحديث…ولم أكن رحيما بها…كنت شديد الخشونة معها

كانت تذكرني بوالدتي…ذلك الصنف الذي أكرهه حقا من النساء…الصنف الذي يظن أن الحياة هي مجرد ما يتكلم عنه الناس…الصنف الذي يعيش حياته للمظاهر فقط

وتأكدت من هذا خلال محاداثاتي مع عامر…بالرغم من أنه كان يتحدث عن شقيقته وكأنها طفلة صغيرة لا تفقه شيئا…إلا انه كان يؤكد داخلي…أنها هي الصنف الذي أكرهه من النساء

كنت مجنونا وقتها بشقيقة منيرة…فكانت الصنف الذي يدهشني…ويشدني بجنون…تمرد…شقاوة…جرأة….كل ما كنت أفتقده بنساء عائلتي…كنت أجده بها

لم أعطي قلبي أو عقلي…مجالا للتفكير بسمو…فقد كانت خارج حساباتي…حتى عندما كنت أحادثها…كنت أقسو عليها متعمدا…وكأني أشفي غليلي من كل النساء المهووسات بالمظاهر

لم ألحظ اختلافها….ولم أحاول أن ألحظه…كنت أتجاهل نظراتها لي…ملاحقتها لي….وشفتاها المنفرجتان دوما عند رؤيتي…وكأنها تود تلقيني شيئا

كنت أحبس أنفاسي إذا اقتربت…لأنني كنت أشعر وكأني أشمئز منها…لا أعرف…لا أعرف…كيف فجأة…سمحت لنفسي بالانزلاق

وسمحت لنفسي….بتتبعها…بالهرب منها إذا ما التقت عينانا…بالصراخ فيها…بالغيرة عليها….بالجنون إذا رأيتها تخرج متأخرة وتعود بلا مبالاة بسيارة أجرة

أمسكها…أصرخ بها…أهزها بين يدي…كدمية بلا مشاعر أو أحاسيس…أعاود الصراخ بها…حتى تبكي…أو حتى تنفجر وتصرخ بوجهي

فأتذكر…أنها الصنف الأسوأ من النساء

تجلس على الأرجوحة….تتأمل القمر…يتطاير فستانها وتغمض عيناها لتحلق بعيدا…وأقف للحظات طويلة هناك…كالمتلصص

أبتلع ريقي وأحاول أن أغض بصري…أن أذهب إلى الجحيم…أن أتصرف بشهامة

لكنني أجد نفسي متصنما….وملكة الليل تطلق شذاها وعبيرها في الحدائق الواسعة للمنزل…تقف فجأة سمو…وتعود بسرعة إلى المنزل…لابد أنها سمعت صوت سيارة والدي

أمشي ببطء ناحية الأرجوحة…أجلس مكانها….بقايا عطرها ذو رائحة الياسمين…بعضا من حضورها مازال هنا…أتصرف بلا مبالاة وأنا أقلب هاتفي المحمول بيدي

لتتصل بي شقيقة منيرة…أتطلع بالهاتف…وأشعر أنه ثقيل جدا….أرد عليها مصطنعا الابتسام والضحك والقهقهة…لأن كل ما أفكر به في الحقيقة….محال…محال

***

تعاودني ذكرى أخرى…حين خرجت أمي ذات مرة من غرفتها…كانت تبدو غاضبة جدا….وقد أغلقت الباب خلفها بقوة

بقيت في مكاني لفترة طويلة…قبل أن أنطلق لغرفتها….توقفت عند الباب….تلمسته بتردد…وضعت رأسي عليه..كنت قد سمعت حديث أمي الثائر والملغم

عن “الأخوة” وعن أحاسيسي ومشاعري وتفسير كل تصرفاتي…هي “الأخوة” أو “الشهامة” أو “النبل” أو كلها مجتمعة

لم أسمع لها صوتا، بدا كما لو أن حديث والدتي المسموم قد جعلها تختنق

أردت الدخول…أردت بشدة دخول الغرفة…كلا…ليس دخولها…بل اقتحامها

تلمست الباب وتحسست مقبضه وشددت بقوة عليه ولكني لم أدره….سمعت صوتا منخفضا…فألصقت أذني بقوة على الباب

كانت شهقات…شهقات متقطعة متباعدة….وكأنها دفنت نفسها بوسادتها…لتمنع صوتها من الظهور…أغمضت عيناي بشدة

لم أغادر مكاني من عند الباب…حتى ساعة متأخرة من الليل…لم أعبأ بالخدم وهم ينظرون إلي باستنكار

***

ذكرى مجنونة أخرى تقتحمني الآن…ذكرى مغادرتها المنزل….ذكرى تركت مرارة موجعة داخلي

ابتسمت لي بعذوبة وهي تناولني بعضا من حقائبها

كانت تثرثر بلا انقطاع مع والدتي….التي لم تعرها اهتماما وهي تأمر الخدم بتنظيف الغرفة وكأن سمو لا تقف بجانبها

هزت سمو رأسها وهي ترى والدتي تتجاهلها تماما ولكن ابتسامتها لم تغادر وجهها

رفعت بصرها لتلتقي مجددا بعيناي…حاولت التظاهر بالجمود وعدم التأثر…تجاهلتها وأنزلت الحقائب ووضعتها عند الباب

قالت وهي تشكرني

“شكرا….خالد….كنت أطيب “أخ”….لقد ساعدتني كثيرا…صدقا…كثيرا:

لم أرد عليها، وأثبت ببساطة أني “تربية” والدتي

أدرت ظهري لها ولعامر….كنت متأكدا من أن عيناها متعلقتان بظهري…كنت أشعر بهما يخترقان جسدي

ابتلعت ريقي بمرارة…وأنا أتظاهر بالانشغال بهاتفي المحمول

سمعت خطواتهما على الدرجات الرخامية…فمشيت مسرعا خلفهما وهما يتجهان للسيارة

وقفت هناك…عاجزا…شعرت بالعجز….أشد أنواع العجز والشلل تهاجمني…لم أستطع التعبير عما في داخلي

وبدوت مثيرا للغثيان….كمراهق أحمق…لا شخصية له….ولا وزن لكلماته

أردت أن أقترب خطوة منهما….لكن يد والدتي على ذراعي…أوقفتني

“ماذا تفعل؟….أخبرني فقط ماذا تفعل؟:

قالتها بجدية وبغضب وهي تنظر بوجهي

ماذا أفعل؟ ما الذي أفعله فعلا؟ هذه مجرد أوهام…خلفتها امرأة شديدة الجمال…شديدة العذوبة….شديدة…الروعة

لكنها ليست من عالمي

هي لم تخلق لي

هي خلقت لرجل آخر

لرجل يليق بها أكثر

لرجل لا تقيده أصفاد المجتمع…ولا يتقلب في حيرته وسط مشاعره…ولا يقف كالجبان وهو يراها تغادر

يراها تغادر بعيدا…ترفع طرف عباءتها لتغلق باب السيارة…وتجلس في مقعدها دون أن تلتفت…يودها أن تلتفت….لكنها تأبي أن تجعله ينتصر بتجاهله لها

شعرت بقفصي الصدري ينطبق على قلبي بقوة….شعور غريب….شعور لم أشعر به من قبل…وها هي تغادر….دون أن تلتفت…أو ترفع عينيها

زاد ضغط يدي على ذراعي….بشدة …متزامنة مع بوابة المنزل التي أغلقت خلفهما

***

انتشلني صوت رنين الهاتف المحمول من الأمس

كانت زوجتي التي سجلتها باسم لا يمت للرومانسية بصلة

وضعت الهاتف المحمول على نمط الصامت وتجاهلت كل شيء من حولي وظللت أرقب سحب الدخان وهي ترحل بعيدا من أمامي

!!كما رحلت سمو….في أحد الأيام….عن كل عالمي

Advertisements

One thought on “ملحق – مشاعر خالدة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s