الفصل الثالث عشر – كانت لنا أحلام

ابتسمتُ بارتياح عندما خرج الجميع من المنزل ولم يبقى سواي

كان المكان خاليا باستثناء الخدم الذين اجتمعوا يثرثرون في المطبخ الخارجي

ذهبت خالتي وزوجها وخالد إلى حفل زواج لرجل من الزبائن التي تتعامل معهم خالتي باستمرار

لم تدعوني

لم تدعي حتى أن هذا ممكنا

وقد عرفت مسبقا أن هذا مستحيل

فمن الذي سيجلب معه فتاة مثلي؟؟؟؟

ولم أهتم

كلا…ولمَ أهتم؟ ما الشيء الجذاب في حفلات الزفاف؟ مجرد مجموعة نساء تثرثر بلا انقطاع ويتبادلن العبارات الكاذبة حين يلتقين بعضهن

مجرد نقد متواصل وكأننا في لجنة تحكيم…الكثير من الأموال تنفق على شيء يزول تأثيره بعد يومين أو ثلاث على الأكثر

لا أعلم إذا كنت أثرثر الآن وأقول هذه العبارات لأنني…محرومة من حضورها؟

ربما يكون هذا هو الوضع…ولكني أشعر بشعور أفضل بكثير…حينما أنكر بعنف كل هذه المظاهر التي كانت تعد الشريان الرئيسي في حياتي

التي أفتقدها بشدة….أفتقد المال…مذاقه…رائحته…وكل ما يربطني به…وكل ما كان يقدمه لي…ببذخ

تشتت أفكاري حينما سمعت مواء قطة صغيرة

أبعدت القطة عن طريقي وأنا أتحاشى النظر في عينيها

فتحت الغرف بفضول أبحث عن مكان أرتمي به حتى الفجر

غرفة المعيشة الضخمة والشاشات العملاقة

البيانو القديم الذي لا يجيد أحدهم عزفه

اللوح الضخمة الموزعة في كل مكان

صور…صور…صور…بل الكثير من الصور في كل ركن من المنزل

شعرت باختناق لثوان…وخالد يحدق بي من جميع الاتجاهات…من خلال صوره

أمسكت البراويز…واحدا تلو الآخر…في مراحل حياته جميعها…لم يتغير كثيرا…قست نظرة عينيه قليلاً

بضعة تجاعيد حول عينيه…ابتسامته اضمحلت عبرت السنوات…ليغطي قناع الجدية وجهه

تركت البرواز بصعوبة ويداي ترتجفان

لعقت شفتي الجافتين وأعدت خصلات شعري خلف أذني

وقفت أمام الصور متسمرة لفترة دون أن أشعر بالوقت

كيف للصور أن تنقلنا إلى زمن بعيد بثوان…تشعر وكأنك تعاصر اللحظه وكأن كل شيء لم يمضي عليه سوى دقائق معدودات

وضعت يدي على وجهه…أحاول محو ابتسامته لا شعوريا

عدت أفرك وجهي بقوة وابتعدت مسرعة لأبحث عن مكان آخر

عبرت الممرات الرخامية الطويلة وصعدت السلالم ونزلت عدة مرات

أعدت تشغيل التلفاز بضع مرات وارتميت على الأرائك المخملية محاولة الاندماج في الفيلم

هاتفت أحلام التي لم ترد علي

رددت على رسائل رحاب بملل وكتبت لها كلاما بذيئا أيضا

اتصلت على عامر الذي أغلق هاتفه

جلست  بملل على الأرض شديدة البرودة أشاهد مسرحية قديمة جدا بالأسود والأبيض….ومثيرة للملل

سمعت بضع خطوات خلفي…فالتفت بسرعة

لأرى خالد يقف على الباب

تنبه لوجودي وتراجع للوراء مسرعا لأني كنت بدون حجاب

وضعت الوسادة الصغيرة أمام وجهي بخجل

قلبي ينبض سريعا….هذا تأثير الفراغ…الفراغ يفعل هذا بالأشخاص…تبا…تبا….فقط تبا

انقطع نفسي للحظات وعاد حينما سمعت صوته

“آسف…لم أعتقد أنني سأجد أحدهم هنا:

قلت وأنا ما زلت أخبئ وجهي

“لم أظن أن أحدكم سيعود مبكرا…ظننت أنكم لن تتواجدوا قبل صلاة الفجر:

ضحك ضحكة قصيرة باردة

“كلا…لا تستهويني هذه المناسبات…لا أجد نفسي سعيدا هناك..كل ذلك الكم من المجاملات يثير انزعاجي:

وأردف

“أذكر أن عامر كان يخبرني….أنكِ…كنتِ تعتبرين هذه المناسبات من…ضروريات الحياة:

عامر؟ عامر؟

قلت وأنا أعض شفتي مدافعة عن نفسي

“بالتأكيـــد…اممم…عندما يبلغ الإنسان مرتبة معينة من المجتمع…عليه…عليه أن يتعلم فن المجاملة والتقدير..ومشاركة الناس فرحتهم يعد تقديرا للعلاقات المادية التي تربطنا:

شممت رائحة سجائره وقد بدا وكأنه يتسلى بحديثنا حيث قال

لا أعتقد أنك تفكرين حقا بتقديرهم…شخصيتك شبيهة بشخصية والدتي…فكل ما يهمك…عفوا…أقصد ما كان يهمك سابقا هي المظاهر…حيث تحبين أن يرى الناس كم أنتِ جميلة ورشيقة :

وثرية وشابة…فلا تشعرين بأهميتك…دون عيون الغيرة والحسد…أنتن هكذا…أنتِ و والدتي وكل نساء هذه الطبقة…المهم هي المظاهر….لا تهم الصحة…لا تهم السعادة…لا تهم الأخلاق.. لا

“يهم شيء….كل ما يهم….ما يراه الناس فقط

تمسكت بالوسادة الصغيرة بقوة، وكأنها سلاح أدافع به عن نفسي، وكأنها درع أمام الرصاصات التي تنطلق من فمه

قلت دون أن أستطيع كبح نفسي

“أتكرهني؟:

لم يرد علي، فأبعدت الوسادة قليلا عن وجهي، لتلتقي عيني بعينيه الباردتين اللتان تكادان تخترقان جسدي لتنفذان إلى روحي

ظل صامتا لفترة ثم نفض سيجارته بهدوء وخرج من الحجرة

شعرت بقطرات العرق تتصبب من جبيني وقلبي يقفز قفزا ووضعت يدي على صدري محاولة تهدئته

ومسحت جبيني وأنا أبتلع ريقي لأبلل حلقي الجاف

وحاولت تنفس أكبر كم من الهواء

ليأتي إلى صدري ممتزجا بسجائره الشهية وعطره البارد

أنا….حقا أحب…التعاسة

وأظنني حقا….حقا….أحب….مصدر هذه…التعاسة

***

أعترف باكتئاب وها أنا أسجل اعترافاتي” الخبيثة” …لقد عدت…عدت كما أنا….عدت وكأن شيئا لم يكن….عدت لأنانيتي

عدت لأفكر بذاتي فقط….ولتهجر ذاكرتي والدي السجين ووالدتي المريضة وأخي الذي يعاني محاولا جعلي أعيش حياة “شبه” مرموقة

فلم أعد أهتم بهذا كله…بل انصبت اهتماماتي بنفسي فقط…بنفسي….بحياتي….بـ “خالد”…أهذا حمق؟ أهذا غباء؟ كيف لي أن أفكر في كل لحظة من اليوم بشخص واحد فقط؟

شخص لا يهتم لوجودي….ويحتقرني….ولا نية له بالالتفات لي…لمَ يهمني لهذه الدرجة؟ لمَ أصبحت مهووسة بفكرته؟

أحاول ردع فكري المريض وأحاول تصويبه وتقويمه لعلي أنجح في إعادته للصواب

ولكن هيهات…يأبى كل ما في جسدي أن ينصاع لأوامري

كيف أمضيت آخر شهر في منزل خالتي؟ أمضيته أسجل تحركاته بلا انقطاع؟ أمضيته أراقب حياتهم وكأنها فيلم مشوق

لم تعد دراستي ذات أهمية ولكني لم أهملها لأن بعض الصواب تعلق بي ولم يجانبني تماما

لم أهتم بأحلام أو رحاب، لم أعد أرد على مكالماتهما ولم يهمني عامر ولا خططه لتحسين معيشتنا

أبي….أبي…لم يعد “حتى” يزورني في أحلامي

أتعرفون الأشباح البغيضة التي تهيم على وجهها دون هدف؟ حتى أنها لفرط يأسها لا تحاول إثارة رعب أحدهم

لكن طبيعتها…في حد ذاتها…مرعبة…وها أنا…أصبح مثلها…متلصصة…أهذه الصفة التي تنطبق علي؟

أشعر أن قلبي يتعمد فعل هذا بي…يجعلني أسجل كل هذه الاعترافات عن رجل أوضح لي منذ البداية أن لا مكان لي في قلبه…عن رجل لم ينظر لي بإعجاب ولا لمرة

عن رجل….يحتفظ بأحدهم في داخله….عن رجل يكره كل النساء على شاكلة والدته….وأنا….من أكون أنا؟…أنا على شاكلة والدته…مجرد فتاة مهووسة بالمظاهر وستكبر لتصبح

مثل والدته تماما….وهو…لا يود أن يكبر…ليصبح مثل والده

وقفت من بعيد أرقبه وهو يتحدث بهاتفه المحمول وهو يجلس على الأرجوحة في الحديقة ويضحك بأريحية…تلك الخطوط الجميلة بجانب عينيه وفمه….أود لمسها

!!ما…ماذا قلت؟…نعم…أود لمسها…هكذا ببساطة…ببراءة…لا أرغب بشيء آخر في هذه اللحظات…سوى لمس وجهه

***

“سأتزوج قريبا”

قالت أحلام جملتها بلا مبالاة ونحن نجلس سويا في بوابة الجامعة

كانت تتظاهر بالانشغال في أظافرها الطويلة المطلية باللون الأصفر الفاقع المؤذ للعين

كان في جعبتي الكثير من الحكايا…لها

أردت أن اشاركها آخر اكتشافات مشاعري وأن أبوح لها بكل ما يجول في خاطري

أردت أن أشارك أحدهم كل هذه التفاصيل المرعبة التي بدأت اكتشفها في شخصيتي

كل تلك الخيوط المتشابكة التي بدأت بالتحلل خيطا تلو الآخر…ليكشف نفسي المرعبة الضئيلة المختبأة في العمق

لكن قبل أن اتحدث…هاجمتني بهذه الجملة وهي تتشاغل تارة بأظافرها وتارة بشعرها متأملة نفسها في انعكاس الزجاج وتارة في هاتفها المحمول تراسل أحدهم

لم أقل “مبارك” بل شعرت أن جملتها نسفت شيئا عزيزا في داخلي كنت أكنه لها

أردت مهاجمتها: لماذا؟؟” ولكنني لم استطع أن اسألها

“ابتسمت ابتسامة بريئة مزيفة :ألن تباركِ لي؟

ثم أضافت وهي تحاول أن تقول كلاما يبدو أنها حفظته منذ وقت طويل

“كنت منشغلة في أمور الخطبة ثم عقد القران…لم أجد الوقت المناسب لمهاتفتك أو إخبارك ما يحدث معي…كل شيء حدث بسرعة…وكان الأمر كله “عائليا:

آه….هذا ما حدث إذا…تلك الذريعة المعتادة…زواج عائلي…لن أدعوكِ إليه…آسفه وتستمر هذه الحكايا

والأمر كله أنها تخشى أن أغار منها…أن احسدها….أن أقوم بجلب الشؤم لعائلتها في يوم عرسها الميمون

لمَ يا أحلام؟

ظننت أن ما بيننا أعمق

حاولت تجاهل كل محاولاتك الخرقاء في الابتعاد عني

ضغطت على مشاعري بقسوة، وصفعت كرامتي لأنني ظننت حقا أنني وجدت “صديقة”…لم أكن سأحسدك…لم أكن سأغار منك…لم أكن سأقوم بشيء أحمق لأفسد فرحتك

كنت سأشعر بالفرح….وكنت سأشاركك بكل ما في قلبي  من فرحة لك …كنا سنمرح سويا وسنحتفل بنهاية “عزوبيتك” سويا…لم أعتقد ولا لوهلة

أن ما أبعدك عني…”خطبة”….ظننت أنكِ مللتِ من تصرفاتي الخرقاء…ومكابرتي…و “زعلي” الذي لا ينتهي

ابتلعت ريقي ولم استطع أن أنطق ببنت شفة

رأيت رحاب من بعيد تقف مع صديقاتها يثرثرن بحماس عن الفندق الذي سيقيمون فيه جميعا هذا الصيف

نهضت أحلام من جانبي وذهبت ناحية بعض صديقاتها أيضا الذي سارعن بعناقها وهن يباركن لها بحرارة

“وضعت يدي على رقبتي لأني ببساطة أشعر بأن أحدهم يخنقني بقوة….يخنقني حتى لا أتنفس…يخنقني حتى “أموت

وصل سائق خالتي وخرجت شامخة الرأس…دون أن أهتم بالضجيج من حولي…وصرخات أحلام وزميلاتها…وضحك رحاب وصديقاتها

لن أهتم…لن أركع لهم…لن أركع لمشاعري الحمقاء…منذ متى وأنا أبحث عن الصداقات؟ منذ متى وأنا كالمراهقات أفكر بالتفاهات؟

تبا للأحلام….تبا لها….شعرت بغصة وأنا اغلق باب السيارة بقوة وأدفن نفسي داخلها…بعيدا عن ضجيج الضحكات والأصوات

***

الأحلام هي ما يحفظ توازننا ويربطنا بواقعنا

فلها قوة عظمى…لا يمكن إنكارها

تعمل دوما كالوقود الذي يدفعنا دفعا إلى الأمام

عندما تكون أحلامنا في قلوبنا وحاضرة في أذهاننا…فهذا يعطينا دفعات أمل…لا تنتهي

تجعلنا نضحك بأريحية….ونقاوم الحزن واليأس…وننام لأننا نحلم بغد أفضل…ولأننا نود تحقيق..”حلم” ما

أما أن…ترحل هذه الأحلام….ولا يبقى منها…سوى بضعة كوابيس….وأوهام محضة

ترحل….لعدة أسباب….لعدة مآسي….ترحل لأن “صاحبها” تخلى عنها…ببساطة

!!!فماذا يمكن أن يحل بنا؟ ككائنات يحركها “حلم” ويدفعها”حلم” آخر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s