الفصل الثاني عشر – خلفَ قضبان الحياهْ

تطلعت إلى السقف المزين برسومات رومانية قديمة

أتأمل الأطفال التائهين، والأمهات حول البحيرة…يثرثرن بلا مبالاة

ورجال بزي حكماء يتحدثون وحولهم القمر والشمس

بدت اللوحة وكأنها تجميع لعدة لوحات قديمة

هو ذوق خالتي هند

لم أرغب بالنهوض من فراشي خاصة أن اليوم هو الأربعاء وهو ما يوافق يوم الإجازة الرسمي لي من الجامعة

كم أصبحت أكره نهايات الأسبوع؟

فالوحدة تقتلني فيها، وكل تلك الهواجس تحاربني وتتنمر علي ولا أقوى صراعها

تذكرت الأيام القديمة حيث كنت أذهب للنادي الأدبي، أو أجتمع ببعض المثقفين في إحدى المزارع، أو أسافر إلى أحد الدول القريبة برفقة والدتي

لم تكن تلك الأيام ممتعة بالنسبة لي

حيث كنت دوماً أشعر بالملل ولكني في ذات الوقت كنت أشعر بالاستقرار والأمان

أما الآن

ماذا تعني نهاية الأسبوع لي؟

أن أتقلب على سريري لساعات رافضة النهوض منه

أن تتصل بي أحلام لتثرثر لساعتين متواصلتين

أن تراسلني رحاب متوسلة لي أن أرد عليها

أن يمرني عامر وقد يدعوني خارجاً لساعة

وأن أقضي باقي الساعات جالسة لوحدي بين كتبي وموسيقاي الكلاسيكية التي لا أملها

سمعت صوت طرق الكعب المرتفع على الأرضيات الخشبية

فأدركت أن خالتي ” هند” نهضت من نومها وتستعد للذهاب إلى عملها

نهضت من سريري ودلفت الحمام لأستحم بماء بارد لعله يبعد الخمول عن جسدي

سرحت شعري ووضعت وشاحاً ملوناً على رأسي

كنت أحاول الإحتشام قدر إمكاني حتى إذا التقيت بزوج خالتي أو خالد لا أتسبب بإحراج لي أو لهما

مع أن خالتي “هند” لا تهتم كثيراً بهذه الأمور وطلبت مني أن أرى خالد بعيني الشقيق دون رسميات

كانت لطيفة جداً ولكنها متحفظة أيضاً

تشبه أمي كثيراً ولكن أمي أجمل وأكثر أنوثة

تعمل في مجال إقامة المعارض وتترأس شركة ضخمة

تخرج كل يوم بكامل زينتها، وكل شيء يبدو في منزلها مثالياً

وتبدو وكأنها تختبأ في كل زوايا المنزل، فكل قطعة أثاث أو اكسسوار تصرخ بها

خرجت من الحجرة بتمهل

“لأرى زوج خالتي يقف أمام مرآة ضخمة في الممر يعدل “شماغه

لم ينظر إلي ولكني قلت بأدب وأنا أتجه إلى السلالم متجنبة المصعد

“صباح الخير:

لم يرد علي

اتجهت إلى المطبخ لأتناول شيئاً خفيفاً قبل أن أقرر جدولي اليومي

لا يبدو زوج خالتي هند سعيداً بمكوثي في منزلهم

ربما يشعر أن استضافة ابنة مجرم ليست بالشيء المشرف

لمَ لا يعتبرني مستجيرة؟

لاحظت أيضاً أن خالتي هند متكتمة بشكل كبير على خبر مجيئي لمنزلها

لم أشعر أنها مرتاحة لتواجدي بالرغم من أنها تحاول أن تكون مضيافة قدر الإمكان

تحدثني أحياناً ونحن نتناول العشاء لوحدنا عن أمي وذكريات طفولتهما

وعن كل تلك المغامرات الشقية وقت مراهقتهما

ولكنها مع هذا تبدو متحفظة بشدة مهما حاولت خلع قناع التحفظ فهي تعود وترتديه دون أن تعي

تفهمت الأمر…لم أغضب….لم أحزن….لمَ ألومها؟ لو كنت مكانها لتصرفت مع نفسي هكذا أيضاً

من الجميل أنها أخذتني من المزرعة وآوتني تحت جناحها….علي أن أكون شاكرة لهذا إلى قيام الساعة

أنهيت تناول الخبز المحمص مع قليل من العسل وعصير البرتقال الطازج

بدا مذاق الأكل مراً ولكني تظاهرت أن كل شيء على ما يرام

سمعت صوت خطوات واسعة تقترب من المطبخ

دخل خالد وتفاجأ عند رؤيتي لثوان

حياني برأسه وهو يجلس على أحد الكراسي ليفصل بيننا كرسي واحد فقط

“طلب من الخادمة كوباً من القهوة الأمريكية بدون سكر أو حليب مضيفاً” كالعادة

“بقيت في مكاني متسمرة بفعل قوى خفية أرغمتني على عدم الحركة في حضرة “خالد

التفت إلي بنصف ابتسامة، لا يبدو أنه شخص صباحي

أعني بصباحي أن هناك نوعاً من الأشخاص لا ينشطون صباحاً ويتعكر مزاجهم بسهولة في مثل هذا الوقت من اليوم

هز رأسه لي، فرددت عليه بمثلها دون أن أتحدث

شعرت بنبضات قلبي تتسارع على غير هدى ولم آبه….ولمَ آبه؟

كان حضوره قوياً، حضور من نوع آخر، حضور يفرض فرضاً على كل من في محيطه

لم أحب حضوره، فقد كان يخنقني، يشتتني، يضيعني، لا أحب أن أشعر بالتردد وأبدأ بالتساؤل عن سر حضرته

لا أعرف كنه المشاعر التي تربطني به…مشاعر؟ ما الذي أقوله؟ أية مشاعر؟ كيف لفتاة مثلي أن تفكر بمشاعرها

ظننت أن كل ما مررت به كان كفيلاً باستئصال المشاعر من قلبي وروحي وذهني إلى الأبد

تطلع إلى هاتفه المحمول دون أن يعيرني أدنى اهتمام…..وكأنني ببساطة…..شفافة

كيف للمرء أن يكون شفافاً؟ بل السؤال ببساطة….منذ متى أصبحت شفافة؟

نعم….شفافة….لا مرئية….ربما مثل هذه الميكروبات الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة

فمنذ أن قُبض على والدي، تحولت بعدها إلى هذا الكنه الشفاف الصغير الميكروبي

ميكروب يجب التخلص منه حالاً…فهو يهدد الصحة وراحة البال

وهذا الشعور تزايد وتضخم في داخلي بعد انتقالي إلى منزل خالتي هند

!!!بقينا صامتين وهو يشرب قهوته المرة المذاق فيما كنت متوجهة بكل تفكيري إلى عالم الميكروبات السعيد

ولم أعي إلا خروجه من المطبخ دون أن يقول شيئاً

***

خرجت برفقة…..نفسي

إلى الممشى القريب لعلي أضيع وقتي في شيء ما

فهمت أخيراً معنى الفراغ

ذاك الفراغ الذي كنت أقضي أوقاتي السابقة راغبة به

…الفراغ

يسكن روحك…ويشعرك بالوحشة….والخوف

رأيت كرة صغيرة تتدحرج حتى توقفت عند قدمي

ترقبتها دون أن أدفعها للطفل الصغير الذي وقف بعيداً يرقبني

لست لطيفة مع الأطفال….لم أكن ولا أظن أني سأكون

لكن اليوم وللمرة الأولى…قمت بركلها بخفة حتى تصل إليه

ابتسم الطفل بمرح والتقط الكرة وذهب مسرعاً لوالديه

تذكرت حديثاً دار بيني وبين والدتي منذ فترة طويلة عن إنجاب الأطفال

حيث كنت أرفض تماماً أن أنجب طفلاً

كنت أستنكر الألم الذي تعانيه المرأة عند الولادة

وكنت أشعر بالرهبة من أن أنجب قطعة مني إلى هذا العالم وأمنحها عمري ودمي وعرقي

لم أرد أن أربط نفسي بمخلوق كائناً من كان

بقيت أمي تقنعني بجدية قائلة أن الحياة بلا بنين….لا شيء

فيما كنت أرفض حتى نقاش الفكرة، فهذا قرار اتخذته منذ صغري

عندما رأيت حال إحدى صديقات والدتي التي مات ابنها في حادث سيارة

لن أنسى بكاءها وشهقاتها وصرخاتها والطريقة التي كانت تركع فيها على الأرض طالبة من الجميع إعادة “فلذة كبدها” لها

كانت تولول وهي تمسك بملابسها وتشمها محاولة استنشاقه ليتغلغل في داخلها…ولا يبارحها أبداً

هالني ما رأيت ووجدت نفسي أخاف بشدة…من هذا الفقد

لا أريد أن أشعر بهذا الفقد العظيم

ولا أريد استنشاق ملابس شحص كائناً من كان ليتغلغل في داخلي مجدداً ولا يتركني

لا أريد أن أتوسل الناس..طالبة منهم إعادته

لا أريد أن يصل بي التعلق إلى هذه الدرجة….المرضية

نعم مرضية…فلا يوجد من يستحق هذا التعلق

وأجدني في وضعي هذا، وفي سمعتي الحالية وحالتي المادية…لا أستحق أن أكون أماً

فكيف لطفلي أن يحارب هؤلاء القوم؟ الذين ما أن يجدوا عيباً بإنسان…حتى يلتهموه سخرية وغيبة

لن أجعل أبني الذي في السماء…يعيش مثل هذه التجارب…هذا مؤكد مؤكد

***

تطلعت في شاشة جهاز الصرف الآلي دون حراك

تبقى في حسابي 69 ريال؟ هل هذه مزحة؟

سمعت أصوات من خلفي…تتأفف

شعرت بإحراج وأنا أسحب 50 ريالا ًمن حسابي

وضعتها في حقيبتي وابتعدت مسرعة وأنا أشعر بوجهي يشتعل

تأملت الخمسين ريالاً عدة مرات…وأنا أخرجها وأعيدها إلى حقيبتي

فإن صرفتها…لن يتبقى لي مال للجامعة

وإن تركتها في حقيبتي….فلن يغير هذا من وضعي المادي كثيراً

خمسون ريالاً؟ متى؟ متى حدث هذا؟ لا أذكر أن الأموال تتطاير بهذه السرعة

كانت…قديماً….لا تنتهي أبداً من أمام ناظري

قلبتها بيدي مجدداً وأنا أشعر بقلبي يخفق بسرعة

ما الذي أستطيع شراءه بهذه الورقة الخضراء الرخيصة؟

لا أستطيع شراء شيء

لا أستطيع فعل شيء بها

ولا أستطيع التخلص منها حتى

فإن تخلصت منها…سأموت جوعاً

وإن احتفظت بها…فلن أشتري بها شيئاً

خيل لي -حينها- أن الورقة الخضراء تسخر مني وتضحك على وضعي

شعرت بأني مهزومة

مرة هي….الهزيمة…طعمها….مثل قهوة الإسبريسو…شديدة المرارة

استسلمت وأنا أضع الورقة الخضراء في محفظتي وأخفيها بين أوراق لا فائدة لها

سمعت صوت هاتفي المحمول

فالتقطته، لأجد اسم عامر على الشاشة

“آلو…أهلا عامر…ما الأمر؟:

“مررت لأراكِ …فأخبروني أنكِ خرجتِ مبكرة ولم تعودي حتى الآن:

“نعم…ذهبت للتسوق….و…التقيت ببعض الصديقات….أردنا أن نمضي اليوم كله هنا…ممتع…الوقت الذي أقضيه…برفقتهم…ممتع….جداً ممتع..هه هه هه:

“جميل….أن تخرجي مع صديقاتك…أنا….أيضاً….مع أصدقائي القدامى…التقيتهم مصادفة…وبدوا سعيدين لرؤيتي:

“رائع…أتمنى لك ليلة ممتعة…مليئة بالذكريات الطيبة…..:

“ًأنتِ أيضا…أنا….علي أن أغلق الخط الآن….وداعا:

“وداعاً عامر:

أغمضت عيني، وأخذت شهيقًا عميقًا محاولة أن أمحي الكذبات البائسة التي قلتها ببراعة…والكذبات التي اختلقها عامر أيضًا

زفرت بألـــــــــم…وعدت لأفتح عيني…لأصطدم بالواقع المليء بالضجيج

***

وضعت الكتب التي جلبها لي عامر بإهمال على المنضدة بجانب السرير

كانت كتبًا متنوعة في مختلف المجالات الأدبية

اشتراها من معرض الكتاب ، وقدمها لي هدية لأتسلى بقراءتها

أحمق هذا العامر

يظنني رومانسية حمقاء..تقرأ مثل هذه الكتب التافهة التي تحكي عن لوعة المحبين وكأن هذا الموضوع الأهم على وجه الأرض

أتعجب من العشاق

حيث يرون أن ما يمرون به من فراق ولقاء….أعظم من كل ما تمر به البشرية

في حين يموت الناس في الحروب، ويخسر الأثرياء أموالهم في سوق الأسهم، ويضيع عمر بعض الأشخاص بين السجون والمحاكم

نرى عاشقاً تافهاً مولعًا يحكي عن فراقه لحبيبته وكأن الدنيا قد انتهت حينها

تطلعت إلى عناوين الكتب مجددًا، وابتسمت لا شعوريًا بسخرية

كتاب يحكي عن فتاة يهينها حبيبها صباحًا مساءً وتتلذذ  بإهانته وتتضرع متوسلة إليه أن يعود إليها

وكأن الدنيا ستنتهي إذا لم يعد لوصالها

وأخرى تعلق روحها بين السماء والأرض، لأنها متعلقة بعشيقها الأرضي وتراقبه بحزن وهو يبكي بجوار قبرها ثم يصاحب غيرها من الفتيات

وكتاب عن رجل يبكي ليلًا نهارًا على حبيبته التي هجرته وتزوجت غيره وتبدو سعيدة ولا مبالية به وبعشقه….السخيف

أمسكت بأحد الكتب مجددًا، وقرأت أول صفحتين بفضول ثم زممت شفتي معترضة على محتوى الكتاب

وتطلعت إلى هاتفي المحمول باستغراب…اشتقت لرنينه…كثيراً

لم تتصل بي أحلام منذ يومين

لقد تغيبت الاثنين والثلاثاء، ولم أتصل بها، لأنني كنت أكيدة من أنها ستتصل بنفسها لتبلغني عن السبب

شعرت بحشرجة في صدري وأنا أستغرب انقطاعها…..الجديد علي

هل حدث شيء ما لها!!! أهي مريضة مثلاً؟هل سافرت إلى مكان ما دون أن تخبرني؟

طبعاً…ذلك حقها…فلست حتى صديقتها

أنا مجرد زميلة في الجامعة…تلتقيني وتتحدث معي من وقت لآخر

في الفترة الأخيرة…لاحظتها تتجنبني…لكني لم أعر الأمر اهتمامًا!! ربما ملت صحبتي….ربما أنا حقًا مملة…وكئيبة

أذكر أنني في المرحلة المتوسطة…كنت أسمى بالمغرورة والمتكبرة والتافهة والحقيرة والسافلة واللئيمة

ولكنني أذكر جيداً أنني لم ألقب من قبل بصفة ” كئيبة” ولم ترتبط هذه الصفة بي من قبل

هل حقًا أصبحت كئيبة حتى أن أحلام تجنبتني؟

وعادت إلى صحبتها القديمة، وعندما تراني تهرب مسرعة وكأن عدواً اقترب

شعرت بحنق شديد….حنق تصاعد في صدري…حتى خرج من حلقي كآهة مؤلمة….آهة جرحت صدري وقلبي قبل أن تخرج من فمي

حنق صببته على والدي…والدي الذي أحاول جاهدة إقصاءه من ذاكرتي وكأنه لم يكن في ماضيي

تمنيت لو أمكنني فعل شيء…أي شيء….لأغير لقبي…لأزيل العار من اسمي…لأنتشل كل ما لطخني به….لأتبرأ منه

نعــــــــــــم…نعم….أنا عاقة…اعذروني…لا طاقة لي على التحمل…أنا عاقة

عاقة تلعق جراحها وحيدة وتتمنى لو أمكنها التخلص من اسم عائلتها إلى أبد الآبدين

!!!فإن كان والدي خلف قضبان السجن….فلقد سجنتني خلف قضبان الحياة

حيث يكون السجن حينها…مكاناً رحيماً…مقارنة بسجن الحياة العظيم

حيث لا يمكنك تنفس الهواء أبداً…فالناس يودون لو استطاعوا حرمانك منه

ففي مجتمعنا، لا يحمل الذنب الشخص وحده، بل تحمله معه أسرته وعائلته ومجتمعه وقبيلته

مجتمع….يظن أنه انغمس بالطهر…حتى أصبح قادراً على رجم الآخرين

وقد رجمت بسبب والدي…رجمت كثيرًا…وحتى أنني اعتقدت أني مت…وتمنيت لو أدفن حية…لكنهم عادوا وطببوا جراحي ثم رجموني مجدداً

استمروا بذر الملح على جراحي ثم تنظيفها حتى تلتئم، ثم عادوا مجددًا لممارساتهم السادية

مسحت دموعي بسرعة وأنا أسمع طرقات على الباب

رأيت خالدًا يقف هناك وفي عينيه نظرة قلق

“هل أنتِ بخير؟:

“نعم…شكرًا لك…ما الأمر؟:

“لم تخرجي من حجرتك منذ أكثر من ثلاث ساعات…ظننتكِ ستخرجين:

شعرت وكأن قلبي سيسقط من ضلوعي

لا أريد الشفقة…أكرهها….ولكنني أجد نفسي أستجديها الآن…بالخروج هكذا، بعيني المحمرتان، والكحل الذي يلطخهما، و وشاحي غير المحكم على رأسي

منذ متى بدأت هذه العادة السيئة؟ استجداء الشفقة؟ كم ازدريت من يحاول استجداء العطف أو أي مشاعر من الآخرين

كنت لا أعطي هذا الشخص نصف فرصة

لم أكن أستطيع حتى النظر لمن تطبق عليه هذه الصفة

أذكر إحدى الخادمات في منزلنا، التي كانت تمارس هذه العادة سرًا جهارًا ليلًا نهارًا دون توقف

بدت كحشرة في عيني، شعرت أنها فقدت إنسانيتها وتحولت إلى كائن أقل……… رقياً

“ـمو؟….سمو؟؟…ما بالك؟….:

تلقفت النظرة الجزعة في عيني خالد، عيناه شديدتا الوسع حتى أن كل المشاعر تظهر بأريحية بهما

والآن أرى بهما القلق مرسومًا والتعاطف باديًا عليه ولكن الحواجز الدينية والاجتماعية وحتى العاطفية في قلبه تمنعه من التقرب مني أكثر

حتى أنه يقف على مسافة بعيدة عن باب حجرتي وكأنه يؤكد للعالم أجمع….أن لا شيء يمكن أن يجمعه بإبنة….المجرم

التي ستتحول لاحقًا إلى إبنة….صاحب السوابق

والتي سيرافقها أحد هذان اللقبان مدى الحياة وحتى النهاية….وحتى إلى ما بعد النهاية

أمسك بي بجرأة من كتفي وهزني بقوة حتى اتسعت عيناي بخوف

أنا خائفة….خائفة….لا أريد أن أبقى هنا….أن أبقى خلف هذه القضبان اللامرئية…أن يحكم علي القضاة مجددًا ومجددًا…:

أن يتحول كل مخلوق أمامي إلى كبير القضاة

“ويبدأ برجمي…تعبت…أنا موجوعة….لم أعد أحتمل هذا الوجع….لا أود تخيل الغد

ها أنا ذا أعود إلى تسول الشفقة دون رادع

وكأنني ربيت على هذه العادة منذ طفولتي

والغريب أنني أرغب شفقته بشدة…بشدة ولا أعرف لمَ؟

:

لا تخافي…لا تخافي….هوني عليك….لا تقسي على نفسك….لا تفكري بالغد…عيشي اللحظة….ولا تدعي قضبان المجتمع تعيق تحركاتكِ….

نحن عائلتكِ…لن نحاكمكِ…ولن نرجمكِ….ولن نسجنكِ خلف هذه القضبان التي ترينها….لا وجود لها يا سمو…

أنتِ حرة…فلا تدعي خوفك من المستقبل

“يقضي عليك

وشد بيديه على كتفي بقوة، حتى شعرت وكأنهما سينكسران تحت ضغطهما المؤلم

كان يحاول تأكيد كلامه بحركته هذه

وشعرت بعظامي تنصهران من حرارة يديه

ومع ذلك…لم أبعده

لم أبعده….بل ظللت مستسلمة هناك…كحمقاء متسولة حقيرة تافهة منحطة

فيما كانت عيناه تغوصان داخل عيني محاولاً منحي الثقة التي أحتاجها ولم أستطع إبعاد عيني عنه محاولة استمداد الشعور الطيب الذي يمدني به

سمعنا أصواتاً تقترب

فابتعد خالد مسرعًا وأبعد يديه حالًا وكأن كهرباء مسته

لم يقل شيئًا وهو يجري بخطوات واسعة خفيفة متجهًا إلى غرفته…مغلقًا بابه

بقيت واقفة على الباب أحارب نبضات قلبي التي تهاجمني بشدة

وفركت كتفي بقوة محاولة الاستيقاظ……قبل أن أقع في الهاوية

الهاوية….أنا التي ظننت أنني لن أقربها في حياتي

ولكني أصبحت على شفاها…أتطلع إليها من علو….ولكن بخوف

كما الرجل الذي يقف على حافة البركان يخشى السقوط فيه ولكن حممه تجذبه بشدة رغم خوفه

كالأنثى التي ترى الرذيلة مروعة…ولكنها تدفع نفسها دفعًا نحوها دون توقف

صفعت نفسي بقوة على خداي الاثنان…وعدت لصفعهما مجددًا ومجددًا ومجددًا

ما الذي أفعله؟ ما الذي أفعله؟ حقاً ما الذي أفعله؟ ألم أخبركم أني أكره نهايات الأسبوع الجديدة

!!!فدائمًا ما تجلب لي هذه النهايات…شيئاً جديدًا لا أحبذه

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s