سره الصغير القذر

امسك بغصن شجرة وبدأ يلكز الكائن القذر الماثل أمامه

تحرك الكائن قليلا، ليصدر عنه صوت أشبه بالبكاء

بدا صوته مختنقا، ومليئا بالدموع والذل

لكن ” آزاد” لم يهتم بكل تلك المشاعر التي تمر على وجه الكائن الذي أمامه

فـ آزاد يرى أن مثل هذه الكائنات يجب أن تدفن حية…أن تؤود قبل أن تكبر

لا يرى أنهم يستحقون الحياة

فعرقه فقط هو من يستحق الحياة

لقد أعلن قائد البلاد الحرب التطهيرية المقدسة ضد الأعراق المجاورة لبلادهم

وقد تطوع الكثير من الشبان للإنضمام إلى الحرب ولخدمة هذه الأهداف النبيلة

وكان آزاد أحدهم، حيث تطوع بنفسه، تاركا خلفه زوجة وطفلتين صغيرتين

بالنسبة لآزاد أن يخدم عرقه لهي مهمة أنبل وأطهر من رعاية زوجته

سمع أنين خافتا يصدر من القذرة الماثلة أمامه

كانت فتاة صغيرة، ربما لا يزيد عمرها عن 14عاما

قصيرة جدا ربما تصل نصفه

شديدة النحول

تبدوا عيناها وكأنها شقتا داخل وجهها المسطح عديم الملامح

شفتيها مفلطحتين

وأنفها مفطوس

بشرتها صفراء مسمرة بفعل الشمس

وشعرها أسود شديد النعومة

يشعر آزاد بالإشمئزاز من رؤيتها فقط

لا يعرف كيف يتزاوج هؤلاء القوم ويتعايشون مع قبحهم الشديد

لا يفصل بين بلاده وهذه البلدان سوى نهر طويل يجري قاطعا كل العلاقات بينهما

في بلاد آزاد يخشى الناس هؤلاء الأقوام ويحتقرونهم

يقولون أنهم أكلة لحوم البشر

وأنهم وحوش بأجساد بشرية

وأن لديهم عادات لا ترتقي لعادات الإنسان المتمدن

حتى أنهم يتناولون الطعام النيء بشكل متداول بين الجميع

تطلعت العينان المسحوبتان بشدة إلى آزاد

تعجب آزاد من قدرة هذه العينان على الرؤية

مجرد ثقبان صغيران يتحركان يمينا ويسارا

وتعجب من أن هذان الساقان القصيرتان قادرتان على حملها والمشي بها

تطلع بنفسه مختالا، يتميز الناس في بلده بطول القامة وبجمال الملامح وبكمال العقل والعلم

كما أنهم من شعوب الله المختارة ولهم الحق في السيادة العظمى

:هم من قال بهم الشاعر المسلم مادحا قومه

طلقت بعدك مدح الناس كلَّهم

فإن أراجع فإنّي محصن زاني

وكيف أمدحهم والمدح يفضحُهُم

إن المسيب للجاني هو الجاني

***

كان آزاد يطرب وينتشي وهو يقتل بلا رحمه هذه الجرذان

يلاحقهم حتى أوكارهم، ويحرق منازلهم، ويسكب عليهم الخمور ليستمتع ورفاقه برؤيتهم يتراقصون تحت النيران

صارخين بلغتهم القبيحة السريعة وبأصواتهم الرفيعه جدا والمتناسبة مع قصر قامتهم

ينهالون يقبلون قدميه معتقدين أنه سيشعر بالشفقة عليهم

ولكن هيهات أن تأخذه الرأفة بهكذا أقوام

يعود آزاد ليتذكر كيف ألتقى هذه المخلوقة لأول مرة

حينها كان يدور حول المنازل راكبا صهوة حصانه ويمشي بخيلاء بين الأكواخ ذات القش

التي تم إحراقها بالكامل، وإحراق المزارع المجاورة، وسلخ القرويين، وتعليقهم على الأشجار الضخمة عبرة لمن يجرؤ على الهجوم أو الدفاع عن نفسه

كان أصحابه منشغلين بالغنائم كالذهب والخمور والبقية يحتفلون حول حلقة كبيرة من النار التي يقدسونها

ولكنه لم يهتم بهذا كله، كان يود إكمال مهمته على أكمل وجه

لقد أتى لهدف نبيل، عكس معظم من في الجيش، فقد أتوا رغما عن أنوفهم أو بسبب سوء أحوالهم المادية

كان يبحث عن الهاربين، يلقنهم درسا في عدم الخوف من المواجهة لأنهم سيتلقون عقابا أقسى

فإن كان سيقتلهم سريعا من قبل، فسيستمتع بتعذيبهم ورؤية تلك العيون الضيقة وهي تحاول إظهار تعابير الألم قدر إمكانها

سمع صوتا خفيضا بين الجثث الملقاة على الأراضي الموحلة

كأنه نواح ربما

توقف بحصانه، وترجل منه ممسكا ببندقيته الحديثة

كانت الجثث مكومة فوق بعضها وقد سكبت عليها الزيوت إستعدادا لإحراقها

رأى جسدا ينتفض بين الأجساد المتناثرة

كلهم قذرون، ثيابهم مصفرة وملطخة بالدماء، ينظرون إلى السماء بعيون شاخصة

اقترب من الجسد الصغير

فرأى كائنا غريبا من سكان هذه البلاد

ينحني على جثة لامرأة حامل ويحاول سكب بعض الماء على فمها

كانت تتمتم بكلمات صغيرة ومتقطعة وهي تمسح دموعها وتعود لسكب الماء محاولة إجبار الجسد الذي أمامها على شربه

تنبهت إلى القدمين الضخمتين اللتان توقفتا بالقرب منها

ورفعت رأسها بشراسة

بدأت بالصراخ والسباب كما يبدوا

كانت اسنانها البيضاء تلمع وسط سواد وجهها بسبب الحرائق

كانت تنزف وترتجف وتبكي وتلعن وتدعو عليه

وتمسك بالتراب المختلط بالدماء وتكومه وترميه عليه محاولة الوصول إلى وجهه

أنحنى ناحيتها وأمسك برقبتها التي تكاد تتحطم تحت قبضته

لا يعدها امرأة أو فتاة

هم مثل الحيوانات ، مجرد ذكور وأناث

كان ينوي قتلها، لا يعرف ما الذي جعله يتوقف وهو يرى تلك العينان المليئتان بالدموع أمامه

وتلك القدمان التي ترفسان في الهواء

هل شعر بالشفقة؟

كلا وألف كلا

فلن تآخذه الشفقة بعرق موته يعد رحمة له

هل أرادها لأنها امرأة؟

كلا ومليون كلا

فالرجل في بلادهم مرتبته أرفع بكثير، فلن ينزل إلى مستوى هذه الكائنات القبيحة ليعاشرها

إذا ما السبب يا آزاد؟

أحتار وهو يحملها ويضعها فوق حصانه بالرغم من مقاومتها الشديدة وانطلق مسرعا قبل أن يراه أصحابه الذين كانوا يحتفلون بصخب

حيث اجتمعت الراقصات يتمايلن على إيقاع الطبول الشرقية كمكافأة من القائد لجنوده وفرسانه

حبسها في كوخ بعيد عن معظم العمليات

وظل يزورها بإستمرار

قيدها من يديها في أحد الأركان

يأتي إليها بالطعام ويحاول أن يجعلها تتناوله رغما عنها

تبصقه على وجهه، وتتقيأ حين يقترب منها

يكاد أن يجن آزاد وهو يرى أحدهم يتقيأ لرؤيته؟

هو الذي كانت النساء يلقين بأنفسهن عليه رغبة بصحبته

كيف لكائنة قذرة وضيعة أن تبصق في وجهه؟

ركلها مرتان….وسكب الحساء الساخن على جسدها حين أغضبته….وحاول أن يجعلها تنطق رغما عنها

لكنها ضلت صامته تثير جنونه بصمتها وكأنها تختبر قدرته على الصبر

عاد ليلكزها بغصن الشجرة…فتأوهت…شعر بالراحة وهو يسمع صوتها مجددا وابتسم

تطلعت به بإشمئزاز

فهز كتفيه وكأن لا ذنب له وخرج من الكوخ

مرت أشهر وهو يمارس طقوسه اليومية من لكز وتأمل وتعذيب رقيق لكائنته اللابشرية

يفكر بها وهو بين اصحابه

ويتناول طعامه متخيلا وجهها هناك

ويراسل زوجته الجميلة وتلك الكائنة تتخفى بين مداد حبره وكلماته

بل إنه يقسم على أنه يراها في السماء والشمس والقمر والأشجار الضخمة وكل بقايا تلك الأكواخ المحترقة

اصبحت تسكنه…تسكن جسده….روحه….عقله….استطاعت أن تتملكه

يخيل إليه أحيانا أنها قادرة على الفتك به بنظرة من نظراتها

اصبح يتحاشاها أحيانا

لكنه لا يستطيع أن ينقطع عن زيارتها

لم يحبها

ولن يحبها

وهو يشعر بتناقض غريب بين كرهه الشديد لخلقتها وهيئتها وبين حبه لمجالستها ولكزها بغصن الشجرة والإستماع إلى نواحها الصادر من أعماق روحها المتعذبة

لم يعد يذكر وجوه بناته وأصحابه وحتى أنه بدأ ينسى السبب الذي جاء من أجله إلى هنا

الهدف النبيل الأعظم الذي يتغنى به أبناء جلدته

بدأ يجن ويهيم في كائنته الصغيرة البشعة

وبدأت (في خياله) تتسيد عليه كملكة عظيمة لا مثيل لها

كتبت له زوجته مرارا تطالبه بالعودة

وبكت وهي تأتي بنفسها إليه وتقبل قدميه طالبة منه أن يعود لعائلته

زوجته….من تكون؟؟ مجرد امرأة جميلة خطبتها له والدته….لا تربطه بها علاقة خاصة

كتلك….تلك العلاقة المميزة والروابط القوية التي تكونت بينه وبين صغيرته ذات العينان المشقوقتان

ارسل زوجته مجددا إلى بلادها،  وهو يعدها بكل خير وطلب منها أن تفخر به لأنه حقق نداء قائدهم الأعظم

كان حريصا بل شديد الحرص على أن لا يكتشف أحدهم سره الصغير القذر

ولذا كان يذهب مطمئنا كل يوم لينام في كوخ آخر مع أصحابه

***

رأى كابوسا أيقظه من سباته

ذهب ليشرب قليلا من الخمر لعله يسترجع هدوء أعصابه

كانت كائنته الصغيرة تنظر له من علو تلكزه بغصن الشجرة وهو مقيد في ذات الركن الذي قيدها به

ولكنه كان سعيدا…بل شديد السعادة

هز رأسه مبعدا ذكرى الكابوس عن ذهنه

حتى بدأت رائحة شواء اللحم تصل إلى خياشيمه

…ترك كأس الخمر ودار حول الأكواخ متبعا الدخان المتصاعد إلى السماء وكأنه أرواح معذبة تبحث عن ملجأ هناك

من ذا الذي يشوي فجرا؟

اقترب أكثر وأكثر من مكانه السري

…رأى شعلة ضخمة تنير الفجر والمنطقة بأكملها

كوخه الصغير يحترق قاتلا كل أحلامه واسراره ومشاعره الصغيرة المتكونة حديثا

حاول أن يتحرك لينقذ مخلوقته….ولكنه شعر أن قدميه تغرزان نفسيهما في الوحل حتى تجبرانه على التوقف

…تجمع الجنود متعجبين حوله…في حين كان يحاول أن يجمع معطيات المعادلة

هل ترك هناك شمعة مشتعلة؟ هل فك قيدها؟ هل…..تكرهه حتى تحرق نفسها حية؟

يا لغرورك يا آزاد….يا لعنجهيتك وتكبرك….كيف تتساءل بعد هذا إذا ما كانت تكرهك أو تحبك؟

شعر برطوبة على أحد خديه….خط حفر طريقه من إحدى عينيه متجها إلى الأسفل

كذلك النهر الشهير…الذي يجري فاصلا بين أقوامه….وأقوامها

Advertisements

3 thoughts on “سره الصغير القذر

  1. العنوان سحبني سحب، والأحداث أخذت دورها وما تركتني لما خلصت. ما قدرت أقاوم أكتب رأيي على طول. *___*♥
    أعتبر هالقصة أفضل وحدة قرأتها في نادي الكتابة، وأصفها جنب قصص قصيرة عالمية. عندك قدرة الكاتب الروس والأوربيين بالتلاعب بالنفس البشرية، وتعريتها طبقة طبقة. *_* شخصيات وقراء. طريقة سردك للأحداث كانت تحفة، ومختلفة عن قصصك السابقة. الفكرة مبهرة وابتكارية.
    *تأخذ نقس عميق* واو.
    أحس مفروض أغار، بس هالقصة حطمت قدراتي على الغيرة حتى. هههههههههه
    موهبتك خام، وأصيلة. ♥ ما شاء الله تبارك الرحمن، الله يحفظك. يا رب أشوفك كاتبة أد الدنيا ♥
    p.s: عجبني اسم البطل ♥

  2. وواااوو نينا ووااوو
    مبدعه انتِ مبدعه *_* الفكره بحد ذاتها مذهله
    البنت ذكرتني بهذاك الكائن اللي كان انسان وتحول لشبه انسان في فلم سيد الخواتم
    حسيت لوهله ان القصه اكتّست باجواء الفلم الجميله <33
    ابدعتِ في تكوين علاقة ازاد مع البنت علاقتهم الغريبه
    فلاهي ابوه ولاهي حب , امم اعتقادي انه
    ربما يكمن في مكان قصي من قلبه ذرة رأفه ورحمه او حب
    فأستيقظت من مرأى هالبنت
    او ان احتقارها له وعدم تذللها له شكّل لديه ذالك الشعور الغريب !!
    النهايه ختمتِ القصه باحترافيه *_*
    اكاد اجزم ان البنت لن تفارق مخيلته ولا للحظه طول حياته 😐

  3. العنوان ذكرني بأول محادثة بيننا.. XD
    ولما قرأت أكثر وأكثر، زاد عندي شعور الهلع والتنبيه، زي واحد على حافة النوم، ويصير شيء يوقظ حواسه فجأة
    شخصيته، disturbing! بحد يفوق الوصف
    خلقتيه بطريقة مبدعة! بغضته، وهوسه المريض وعنصريته الشاذة، عنجهيته وإيمانه بأنهم شعب الله المختار
    الشخصية على الرعم في قصة قصيرة، حملت الكثير من المشاعر وكل شيء ثاني كان ثانوي مقارنة بيه!
    تعلقه الأعمى بيها.. جسمي للحين يرتجف لما اتذكر حتى دموعه
    مريض لأقصى الحدود..
    ما تعاطفت معاه ولا ذرة، ولا حبه، البنت اخذت تعاطفي الكامل وشعوري بالجزع والخيفة عليها، شو مصيرها؟ لكن لأنها ارتبطت بيه، في شيء بداحلي نبذها هي ايضاً، فرقا وقرفا

    ابدعتي اميرة!
    .
    .
    لينا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s