الفصل العاشر – شيء سيبقى في داخلي

لا أعرف ما الذي يحدث حقاً

أتحرك بتوتر داخل الغرفة، يجلس عامر على الأريكة متكئاً على ركبتيه، ومنزلاً رأسه بحزن عميق

ما الذي يحدث لي حقاً؟ اللعنة…نعم اللعنة…لم لا أستيقظ من هذا الكابوس اللعين؟ لماذا يستمر الأمر وكأنني مجبرة على العيش في هذه الدوامة اللعينة من المشاعر والأحداث والقهر والتنمر؟

ماذا يقصد عامر بما قاله….لابد أنه يكذب…كلا، لابد أنه يريد اختبار ردات فعلي، حتى عندما يحدث الأمر فعلاً، أكون أكثر تقبلاً للأمر

توقفت فجأة والتفت إليه

“عشـــ..ـر سنوات؟:

ماذا يعني القاضي بعشر سنوات؟ أليست عشر سنوات مدة طويلة طويلة طويلة؟

لماذا يقضي أبي عشر سنوات في السجن؟ لم لا يأخذوا منه كل أمواله ويصادروا كرامته وينشروا صوره بالصحف ثم يعيدوه إلينا؟؟

ولكن….أليست هذه هي العدالة؟

العدالة…القانون…الأنظمة…من حق العدالة…أن تنتزع من أبي سنين عمره كما انتزع هو الأموال بغير وجه حق

هي معادلة بسيطة جداً….لا تحتاج مني إلى وقتٍ طويل في التفكير وعدم استعياب الأمر

مجرم وتمت محاكمته…وتم أخذه إلى السجن…وسيرمى هناك…ثم بعد عشر سنوات سيخرج

وعندها….ما الذي سيحدث؟

كلا…كلا…كلا…هذا خطأ…ما الذي سيحدث لي أنا خلال هذه العشر سنوات؟

هل سأظل سجينة هذا الكوخ اللعين؟ في هذه المزرعة البعيدة عن العالم المتحضر؟ بجانب تلك السافلة وشقيقتها والسافل “خالد” ولن أنسى المتنمر الأكبر

“جدي”

ما الذي يحدث لك يا سمو؟ لم لا تبكين على وضع والدك؟ لم لا تشاركين عامر حزنه؟

تباً….يا لك من أنانية مقرفة….تثيرين الاشمئزاز حقاً…ففي هذه اللحظة…أنتِ تشعرين بالخوف على مصيرك بدلاً من الحزن على والدك

أنبني ضميري بشراسة…هاجمني دون رحمة…نهش لحم مشاعري…فلا دمعة واحدة سقطت من عيني…لم أفكر بحال ذلك الرجل

الذي إلى فترة بسيطة بسيطة…كنت لا أرى الناس شيئاً…لشدة فخري به

تطلعت إلى عامر مجدداً وقلت بتوتر

“ماذا سنقول لوالدتي؟:

كان علي أن أتظاهر أمام عامر أني إنسان من لحم ودم…وأني أشاركه الحزن والتفكير في وضع العائلة

كان ذلك…..تمثيلاً….للأسف

فلم أهتم في الحقيقة لوضع والدتي ولا لوضع والدي ولا لعامر

كل ما كنت أفكر به هو وضعي…أنا…وضعي أنا فقط

هل فعلاً أنا مثل ما قال خالد؟؟….مجرد “أنانية”…وما الضير في أن أكون أنانية؟

ألا يحق للإنسان أن يخشى على ذاته؟ أن يحبها؟ أن يحافظ عليها؟

تباً يا سمو…أنتِ تبررين أنانيتك…هذا أشنع بكثير من كونك أنانية حقاً

كان عامر يتكلم ويقول الكثير ولم أفهم حرفاً مما يقوله

أوقفته للحظات وقلت وأنا أحاول رسم التأثر على ملامحي وأحاول استدراج تلك الدموع اللعينة من مكان ما في داخلي

“عامر…تعرف ما الذي سيحصل لوالدتي…علينا أن نحميها بأي شكل:

قال عامر وهو يحك رأسه الذي بدأ الصلع يشكل دائرة تتوسع في كل سنة أكثر

ولكن جدي سيخبرها يا سمو…تعلمين كيف يفكر؟ لن يدع الموضوع يمر مرور الكرام..لقد حادثت أحد أصدقائي:

و سوف يتوسط لي بعد أن أنهي دراستي خلال هذه السنة…حتى أصبح معلماً في إحدى القرى القريبة من الرياض

“عندها سوف آخذك ووالدتي…وسنعيش لوحدنا…لن ندع أحدهم يمن علينا بشيء

عضضت شفتي السفلى بقلق، ماذا يقصد بأن أعيش بقرية؟ ها…هل يريدني…أنا…سمو الـ**** أن أعيش بقرية؟

أمرٌ مضحك، هذا العامر مضحك حتى الموت…بالتأكيد لن أرحل معه إلى قرية وضيعة وأسكن بين القرويين…فأنا

فتاة المدينة…وسأموت في المدينة

ربت على كتفه بطريقة مصطنعة متخشبة محاولة إقناعه بأنه رجل رائع لتفكيره هكذا

شكراً عامر….لولا الله ثم لولاك…لكنت سأموت…حقاً أنت رائع….لو كان أبي هنا حتماً سيكون فخوراً بك:

“لو رآك الآن

أمسك عامر بيدي وهو يقف، ووضع يده الثانية على كتفي

“سأحول لكِ مبلغاً من المال على حسابك، بإمكانك الخروج والتنزه متى أحببتِ…وإذا احتجتِ المال لا تترددي بطلبي:

هززت رأسي بطريقة مصطنعة وأنا أنظر إلى الأرض…كفتاة مسكينة كسيرة الخاطر

وودعته وهو يخرج، أغلقت الباب وراءه، وجلست خلف الباب أحاول التفكير  لكن هيهات…الأفكار تهرب من رأسي

وعقلي صفحة بيضاء فارغة

تمددت أمام الباب  أستمع إلى صوت الأمطار في الخارج، وصوت سيارة عامر معلنة رحيلها

صور من طفولتي تتراءى أمام عيني، وضحكات والدي أستطيع سماع صوتها بوضوح ترن في أذني

ورائحة عطر أمي النفاذة وتلك الملابس الساحرة، حفلات الشاي وأعياد الميلاد وحفلات الخطوبة الضخمة

وأنا أجري بسعادة بين كل تلك الفخامة المتجسدة، طفلة صغيرة اعتادت على الرقي وعلى الحياة المترفة

لم تستمر هذه الصور التعيسة من الماضي بالتكرر أمام عيني؟ لا تتركني وشأني، تذكرني كل لحظة بالماضي اللعين

نعم….يحاول عقلي دفعي للجنون…بتذكيري بالماضي لأقارنه بالحاضر

أغمضت عيني بشدة ومسحت وجهي بيدي بإرهاق عدة مرات

فرت دمعة صغيرة من عيني…ولكن للأسف…ليست من أجل والدي…بل من أجلي

منذ متى أعلنت مشاعري العصيان تجاه والدي؟ ومنذ متى تجمد قلبي نحوه؟

في مرحلة ما خلال هذه الفترة الانتقالية..شعرت بأن والدي ولا والدتي…ولا أحد في هذه الدنيا…يستحق مني شيئاً

لا أحد يستحق هذه المشاعر والدموع والألم والقهر…أنا فقط من أستحق هذا

نعم…هكذا أفضل

***

صراخ…صيحات ولعنات مترافقة مع صوت الريح…ضرب العصا على الأرضيات الرخامية في المنزل

وأنا أقف في المطبخ الكبير…أرقب الأمر بفضول…والخادمات يثرثرن خلفي

تجاهلتهن وهن ينظرن بفضول نحوي ثم يعدن للثرثرة بلغة لا أفقه منها كلمة

زممت شفتي وأنا أحيط قدح الحليب الساخن بيدي…وأمشي ببطء نحو المشهد المتمثل في ردهة المنزل

جدي خرج من المستشفى…يبدو كرجل تجاوز المائة من عمره…شيخ طاعن في السن…تكاد عظامه أن لا تقوى على حمله

يصرخ منادياً والدتي…ويضرب بعصاه الأرض…وخالي بجانبه يحاول تهدئته

شعرت بالرعب للحظات من منظر جدي وهو يلعن والدي واللحظة التي عرف بها رجلاً مثله…يستمر بكيل اللعنات

لكل ما يمت لوالدي بصلة…ويشمل والدتي بنصيب من اللعنات الوافرة والمتنوعة

تخرج والدتي من حجرتها، تمشي ببطء ولا مبالاة، ترتدي قميصاً حريرياً خفيفاً بالرغم من برودة الجو الشديدة

تنزل السلالم حافية القدمين وهي تنظر لجدي بنظرات ميتة…لا حياة فيها

“ما الأمر؟:

يأخذ جدي نفساً عميقاً ويحاول أن يجعل قامته منتصبه وهو يقف أمامها ويشير بيده بطريقة متوعدة

ذلك اللعين…ستتطلقين منه…لن تستمري في هذا الزواج الفاشل غير المتكافىء:

ألم يخبرك ابنــــــــك  الباااار بما حصل لوالده؟…هاااا..؟ أتعيشين بعالم آخر؟ ألا تدركين مايحدث لسمعتك

“وأنتِ ما زلت مرتبطة بهذا الرجل؟ فالجميع يتحدث بك ليلاً نهاراً…سراً جهاراً… لم يعودوا يخشون التلفظ حتى أمامي بهذا الأمر

تقول والدتي ببرود

ما الذي حدث؟ هل سينفذ به القصاص؟ هل سيموت؟ هل سيدخل السجن لعشرين سنة؟ ما الذي:

“يمكن أن يحدث لمجرم مثله؟

ينصدم جدي برد فعلها، ما هذا البرود؟ ما هذا القناع القاس الصلب على وجهها؟ أحقا لم تعد تهتم؟ أم أنها تتظاهر بهذا؟ أم أن هذا هو الاكتئاب؟

يقول خالي محاولاً تهدئة الوضع وبصوت ضعيف متردد

“أبي…هي ليست بوضع يسمح لك بالتحدث معها الآن…انظر إلى حالها:

يبعد جدي خالي عنه بقوة وهو ينظر له باشمئزاز ويعود ليؤشر بيده بذات طريقة التهديد التي تثير الرعب في القلوب

ستتطلقين منه…لن أجعلك تفعلين ما تشائين كما كنت تفعلين سابقاً..فما دمت في بيتي…فأنا ولي أمرك وأنا المسؤول عنك:

“أشعر بالعـــــــــار يلاحقني والناس تسألني…كيف لابنتك أن تظل مع مجرم مغضوب عليه!! وماذا يمكن أن اقول لهم؟وكيف لي أن أدافع عنكِ ومازلتِ بعصمته؟

تظل أمي ثابتة لثوانٍ ثم تبدأ بهز رجلها بتوتر، وتبعد شعرها عن وجهها وعيناها تتلألأن بالدموع..بدأ القناع الجليدي بالتحطم

فالأمر يتعلق بسمعتها أمام الآخرين…مما يعني أن كل مابنته منذ لحظة ولادتها حتى الآن…قد تحطم

فالناس ستشير إليها من اليوم فصاعداً…بزوجة المجرم سارق الأموال…وحتى لو تطلقت…ستظل الهمسات تتردد من حولها وسيقولون

طليقة المجرم سارق الأموال المغضوب عليه…يا للمسكينة…يا للعار…يا إلهي لابد أنها تعاني

والشفقة البغضية ستبدو واضحة في عيون من حولها، والشامتون سيسعدون بهذه الفرصة، وكل من أخطأت بحقه يوماً…سيقتص منها

أنا..أنا…لا أريد أي شيء يربطني به…أنا أكررررهه يا والدي…تباً له..أنا…:

أنا أشعر بالعار أيضاً…لا أستطيع الخروج ورؤية الآخرين

أشعر وكأنه قد حكم علي بالقصاص…وكأن أحدهم يجلدني في كل وقت…أنا..أنااا..أخشى ما يقوله الناس عني…ربما…ربما…آآآآه…

“ربما يظنوني شريكة له بالجرم…أبــ..ـي

وأكملت وهي تضرب وجهها وتقفز على السلالم وتصيح

انتهى كل شييييء…كل شييييء…هذا لأنك كنت غاضباً يا أبي…لقد حذرتني كثيراً…حذرتني…:

ولـكـ..ن..ظللت عنيدة لا أحب سماع نصيحتك..انظر ماحدث لي يا أبي

“انظر كيف أبدو بائسة…آآآآه…آآآآه…قلبي يؤلمني…لا أود العيش أكثر

وجلست على السلم واضعة يديها على وجهها تنحب بصمت

صعد جدي السلالم التي تفصله عن والدتي ببطء شديد وهو يترنح من الألم ويحاول التقاط أنفاسه قدر استطاعته

ثم انحنى وجلس بجانبها على الرخام شديد البرودة،

وأمسك بيدها بقوة…كلا…ليست بقسوة…بل بقوة وكأنه يمنحها الأمان…ويطلب منها أن لا تخاف وأبعدها عن وجهها

“لن يتجرأ أحدهم على اتهامك…فأنتِ ابنتي…أنتِ من لحمي ودمي…أنتِ تربية هذا المنزل…ولن تفعلي شيئاً يلحق العار بعائلتك:

يمسح دموع عينيها بحنان ولكنها لم تستطع التوقف عن البكاء، تبدو كطفلة صغيرة…ارتبكت جرماً وكانت تخشى من والديها بشدة…ولكنهما سامحاها

هذا هو ما أراه أمامي، نظرة أمي المكسورة، يدا جدي المرتعشتين المرقطتين المجعدتين وهو يمسح وجه والدتي بحب…أب وابنة

ضربت صدري عدة مرات عندما شعرت بألم حاد في قلبي

وقعت عينا خالي علي، تجمدت نظرته وأصبحت باردة كبرودة هذا الشتاء القارس، ابتعدت وأنا ألوي شفتي وأعود إلى المطبخ وأخرج من الباب الخلفي لأعود لحجرتي

***

أجلس في سيارة عامر وأنفض أطراف عبائتي المغبرة

يضع عامر شريطاً قديماً  صنعاوياً  يثير أعصابي…ولكني أحاول التظاهر بالصمم

أين بيتهوفن وموزارات ومونتي وفيفالدي وهاندل…كل عمالقة الموسيقى الذين اعتدت على سماعهم كل يوم

واعتدت تذوق الموسيقى الكلاسيكية الراقية…ولكن كيف لي أن أغير ذوق أحدهم؟ هذا من سابع المستحيلات

قال عامر وهو يفتح قليلاً من نافذته

“من الجيد أنك قررت أن تجبري بخاطر صديقتك وتخرجي لزيارتها:

تجعد وجهي باشمئزاز حيث تذكرت إصرار أحلام المزعج على زيارتها

اتصلت بي صباح اليوم حيث كنت أتناول الإفطار مع عامر ليناقشني بتجهم عن وضعنا الحالي وما الذي سيحل بنا بعد مضي فترة

خصوصاً بعد أن قررت والدتي السفر مع جدي إلى التشيك في رحلة علاجية قد تمتد لسنوات وأبلغت عامر بهذا دون أن تتحدث معي عن الموضوع

لا تريد رؤية وجهي…هذا ما أشعر به…فأنا أذكرها بوالدي..كثيراً

عدت للتفكير بأحلام..التي لا تعرف الكلل أو الملل…إصرارها يذكرني بطنين النحل المزعج…حيث لا تتوقف ولا تستسلم أبداً

وصادف اتصالها هذه المرة وجود عامر..الذي ظن أنه من المفيد لي أن أخرج لزيارة بعض الأصدقاء

ربما…وأقول ربما…يريدني أن أعتاد على حياة البسطاء وأراها بعيني…حتى لا أنتكس لاحقاً

شعرت بالاكتئاب من الفكرة وتجهمت ملامحي وأنا أتأمل هاتفي المحمول

ما زالت قائمة الأسماء تحمل أسماء زميلات الدراسة وزميلات الطبقة الاجتماعية التي كنت أنتمي إليها يوماً

تنهدت بصوت مسموع وأنا متأكدة أن جميعهن قد حظرنني من برنامج المحادثة الذي اعتدنا على الدردشة عبره

أو بالأصح اعتدت على قراءة أحاديثهن عبره…فلم أكن محبوبة من الأساس

التفت عامر إلي وهو يقف عند محل حلوى ضخم اعتدنا على الشراء منه

“هيا…دعينا نشتري شيئاً بسيطاً قبل أن تذهبي إلى منزل صديقتك:

ابتسمت بسخرية

ماذا؟…لن أشتري لها شيئاً…أغلق الباب ودعنا نذهب بسرعة…ولا تنسى أن تنتظرني عند الباب:

“لأني لا أعتقد أني سأحتمل ذلك المنزل لوقت طويل…يا إلهي…أتخيله منزلاً مريعاً شعبياً والحشرات تملؤه

عانقت جسدي وأنا أرتعش بمبالغة

تجاهل كلماتي ونزل من السيارة فاضطررت أن أتبعه

اشترينا حلوى مثبتة بباقة ورد طبيعية محشوة بالداخل بحلوى القطن

وعدنا إلى السيارة واتصلت بأحلام لآخذ منها الوصف بعد أن وصلنا إلى الحي الذي تقطنه

مضت دقائق وكأنها ساعات بسبب الزحام الخانق للعاصمة الذي يبدو يومياً وكأن عدد السيارات أكثر بكثير من اليوم السابق

توقفت سيارة عامر عند فلة صغيرة جداً…جداً…جداً…ربما 400 م؟

قطبت حاجبي بامتعاض وعامر يناولني الورد لأخرج من السيارة

“اتصلي بي متى ما أردتِ…سأذهب إلى أحد اصدقائي الذي يسكن هذه الأنحاء:

فتحت أحلام الباب بتهور دون أن تنتبه أن عامر لم يغادر

تبادلت نظرات مرعوبة مع عامر وصرخت ثم اختبأت خلف الباب

دخلت خلفها وحاولت قدر استطاعتي رسم تلك الابتسامة الواسعة وأنا أحاول أن لا أنظر برعب إلى الحديقة المهملة الخربة

التي نقف فيها، كلا…لا أعتقد أن اسمها حديقة…هذه أي شيء..إلا حديقة

قبلتني أحلام بفرح على خدي وشكرتني بحرارة على الحلوى وهي تبدو حقاً سعيدة….بشكل مثير للشفقة

هذه هي حياة الطبقة المتوسطة…حسناً…الأقل دخلاً في الطبقة المتوسطة

بيوت صغيرة، لا حدائق، خادمة واحدة فقط، وأثاث مبالغ به، مذهب وضخم، وكأنهم يحاولون إيحاء

الضيوف…ببعض من الفخامة

دخلت أحلام وهي تمشي بسرعة بالرغم من حذائها العال، و وضعت صينية القهوة العربية والتمور وإبريق شاي مذهب

وتبادلنا العديد من الأحاديث، كانت أحلام كعادتها مرحة…مشرقة…لا تتوقف عن القهقهة والضحك…لا تتوقف عن إلقاء النكات الحمقاء

تصرخ بحماس مبالغ به…وتعلق على كل شيء بكلمات مثل “أوووه راااائع” “يا إلهييييي جمييييل جداً” “آآآآآه يا لظرافته” فعلا تثير أعصابي

ولكن…لم أجلس هنا؟ لأنه لا صديق لي في هذا العالم…ولأنه لا أحد في هذه المجرة يود الجلوس مع ابنة مجرم سوى…أحلام

قاطعتها بعصبية

“تعلمين شيئاً؟….والدي….والدي…أتعلمين من هو؟:

أعادت أحلام خصلات من شعرها الحريري خلف أذنها، وتوقفت عن اجترار العلك في فمها لتقول وهي تهز كتفيها

“هل هذا مهم؟….هل يهم حقاً من هو والدك؟:

ابتسمت بسخرية وضحكت

بالتأكيـــــــــــد…بالتأكيد هذا مهم يا عزيزتي…لا تكوني حمقاء…من المهم أن تعرفي كل شيء…عن أصدقائك…فأنتِ لا تصادقينهم فقط:

“…بل تصادقين عائلاتهم

وهززت كتفي لأضيف

أنتِ حقاً حمقاء…لو عرف أهلك من أنا…لطردوني من المنزل…فأبي رجل مرمي في السجن…لجريمة غسيل الأموال…وسيتعفن هناك في السجن..سيمضي عشر سنوات:

“..وعندما يخرج…لـ

صمت لثوان أحاول استجماع شجاعتي وصوتي وأنفاسي

“عندما يخرج…ربما لن أكون حية…ربما لن يجد أحداً منا…سيخرج ليتسول في الشوارع…وربما حتى الناس سترفض إعطاءه المال بحجة…مكافحة التسول:

اهتزت شفتي، فأطبقتهما بقوة، لكن أحلام وضعت يديها فوق يدي وضمتهما

“لا يهم من هو والدك…أنتِ هي أنتِ…أنتِ سمو…التي تتظاهر بالقوة والقسوة…لكنها في داخلها…ليست سيئة:

وأكملت وهي تقطب حاجبيها بجدية

لا يهمني من هو والدك…ولا الجرائم التي قام بها…ما يهمني هو أنني شعرت بأنك شخص جيد…وقد دخلتِ قلبي كصديقة…على الرغم من انغلاقك:

“وعلى الرغم من….تعجرفك….غرورك….محاولاتك الخرقاء لأن تظهري نفسك كشخص بارد بلا مشاعر…

وابتسمت وهي تشتمني، ووجدت نفسي أضحك، وهي تشتمني، ولم أشعر بالإهانه أبداً، بل شعرت وكأنها تمتدحني

وقضيت سهرة ممتعة، وقتاً ممتعاً، ضحكت فيه بصوت عال، قلت كلمات بذيئة، لم أهتم لمظهري وأنا أضحك أو أتكلم بطريقة بلهاء

شعرت وكأن كل همومي…فقط لسويعات…كل همومي زالت…حتى أني تناولت طعام العشاء المعد منزلياً بشهية بالغة…ولأول مرة

في حياتي بأكملها…طلبت طبقاً ثانياً…ولم أهتم إذا زدت رطلاً أو اثنين…وعندما اتصل بي عامر ليطلب مني الخروج

شعرت ببعض من خيبة الأمل، وقبل خروجي عانقتني أحلام رغماً عني…كصديقات منذ أمد بعيد بعيد

ودعتني بحرارة وكأنني سأرحل بلا عودة

خرجت بسرعة متجهة إلى سيارة عامر، فالمطر غزير غزير هذه الأيام

والجو يزداد برودة مع كل حبة مطر تسقط على الأرض

شعرت بروحي خفيفة خفيفة

ووضعت رأسي على الزجاج البارد

مستمتعة بمنظر المياه التي ملئت الشوارع

ومنظر الأشخاص المتجهمين

ومنظر سماء الليل الخالية من النجوم

والأغنية اليمنية الإيقاع التي تصدح في سيارة عامر وللمرة الأولى لم أتأفف أو أطلب منه إقفالها

وقعت عيناي فجأة ونحن في طريقنا للخروج من مركز تفتيش الرياض

على سيارة فخمة تجلس في الخلف فتاة جميلة جداً تبدو مشغولة بهاتفها المحمول

وكأنني أرى نفسي قديماً، كالملكة أجلس في الخلف مشغولة بعالمي الجميل المثالي

وتبدو على وجهي علامات الثراء والجمال والصحة…مثلها تماماً

لاحت مني نظرة إلى وجهي في مرآة السيارة الجانبية

…يا إلهي..كم أبدو غبية وأنا أبتسم كالبلهاء وأستمع إلى هذه الأغنية المقرفة وأجلس في هذه السيارة المتهالكة..

“لم يبدو وجهي جميلاً مثل عادته، بدا شاحباً، فاقداً للحياة، وجه فتاة فقيرة…والدها مجرم…وأمها مجنونة وشقيقها “فاشل

شعرت بروحي تهبط مجدداً وتثقل

كما لو أنها صخرة استقرت في قاع المحيط

كل تلك السعادة الوهمية…تطايرت من داخلي

ولم يبقى سوى جلد الذات والألم والاشمئزاز من ذاتي ومما فعلته

توقفت سيارة عامر قريباً من حجرتي، لم أشكره ولم أوجه له كلمة واحدة وإنما نزلت مسرعة لأدخل الحجرة وأغلق الباب وأغلق الأضواء

ما زال المطر يهطل بغزارة

ترافقة رياح شديدة البرودة

البرق يضيء حجرتي

وصوت الرعد يزيدني حزناً

ما يؤلمني هو…أنني كإنسان..بدأت أتكيف

فنحن نتكيف مع كل شيء

لقد خلقنا الله كذلك…خلقنا كائنات قابلة للتكيف

مهما كان وضعها…وكيفما كانت حياتها

وأنا…إنسان…ولأني إنسان…فها أنا أتكيف مع وضعي

ولكن…هذا يزيدني كمداً…فكرة…أن أنسى كل ما كنت أعيشه

وأن أبدأ بالتصرف كالفقراء…وأن أضحك معهم…وأستمتع بصحبتهم

هي فكرة مخيفة….فلقد اكتشفت شيئاً مرعباً…قبل قليل

اكتشفت أن حياتي التي عشتها 21 سنة بالتمام والكمال…بدأت بالتلاشي من ذاكرتي

فكل تلك الصور والروائح والأحاسيس التي عشتها 21 عاماً بأكملها

القصور والحفلات ونوادي الأدب وحفلات السفارة والمسارح والأوبرا وكل ما عشقته بجنون

كل هذه الذكريات…الرائعة

بدأت بمغادرة ذاكرتي…لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد..فالمرعب…أن ذكريات تبدو مغادرة في رحلة بلا عودة…فهاهي ذكرياتي

كنوع من التكيف مع محيطي الجديد…بدأت بالهرب من رأسي

هذا مرعب….جداً مرعب…جداً جداً جداً مرعب

أعادني صوت الرعد بقسوة إلى واقعي

فجريت لأختبئ تحت المفرش الثقيل

غير عابئة بملابسي المبللة وبحذائي القذر

أريد أن أنام…فقط أن أنام…وأن لا أستيقظ مجدداً

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s