الفصل التاسع -قارئة الفنجان

والتقيت بقارئة الفنجان

حدث هذا منذ زمن بعيد

قبل عشر سنوات …ربما

كنت في رحلة مع والدي إلى لبنان

وكانت تلك العجوز تقرأ فناجين الضيوف

وجدتها لعبة مسلية…فلا أؤمن بقرائة الفنجان

ذهبت إليها بعد أن رحل الجميع

وبكل الفضول طلبت منها قرائة طالعي

مددت لها فنجان القهوة وكل آمالي معلقة بمعرفة المصير

فضول طفلة….بريئة…ساذجة…مدللة

أدارت الفنجان بين يديها وابتسمت نصف ابتسامة وهي ترفع عينان خبيثتان نحوي

عواصف شديدة ورياح قارسة  ورعد وبرق وأمطار شديدة…برد شديد وخوف أشد…ظلام دامس دون ضياء…دماء تسيل دون جراح ودون الحاجة لمداواة الطبيب:

“…تغتربين ….وترتحلين …وتتغيرين..

وتوقفت حينما رأت أمي قادمة باتجاهي، أمسكت بذراعي بعصبية حتى شعرت بأظافرها تنغرز داخل جسدي

ونظرت في قارئة الفنجان باحتقار

وخرجنا وأنا أبتسم لقارئة الفنجان….لأني لم أعي شيئا من قرائة الفنجان

***

“النهاية رائعة:

قلتها باختصار عندما سألتني أحلام عن نهاية القصة التي أعارتني إياها منذ فترة

في الحقيقة قرأتها مرة واحدة، لكني لم أخبرها عن هذا، كلما سألتني أخبرها ببرود بأني ما زلت أقرأها ولم أصل بعد إلى النهاية

لكن الحقيقة أني أنهيتها منذ أول ليلة أخذتها منها

قالت أحلام وهي تضرب بقدميها الأرض حيث كنا نجلس على رصيف في الجامعة ونتناول الإفطار حيث ألغت إحدى الأستاذات محاضرتها فجأة

“رائعة؟ أهذا حقاً رأيك؟ ما الرائع في نهاية تمتاز بالكئابة والسوداوية؟:

لم أرد عليها وأكملت وهي تتناول البطاطس المقلي بشراهة

“لم أعتقد أنك فتاة تحبين الحزن وتستمتعين بهكذا نهايات…ظننت أنك ستحزنين مثلي على حال “رائد” الذي فقد حبيبته إلى الأبد:

وما المشكلة في هذه النهاية؟ أليست هذه هي الحياة؟ رائد فقد حبيبته ولكني متأكده أنه سيتزوج بعد فترة وكأن شيئاً لم يكن

ومتأكدة بأن الناس لن ينقدوه وسيقولون أنه فعل الصواب

نحن نعيش في عالم مادي، لا يفكر بالعواطف والمشاعر قدر تفكيره بالأشياء المحسوسة والمادية

أكملت أحلام وهي تقطب حاجبيها وتتكلم بصوت حزين

“أن تنتظره كل تلك السنين..ولكن عند عودته…تموت؟ أي قدر هذا؟أين الروعة في مثل هذه النهاية؟:

ونظرت لي تنتظر جواباً، لكني تظاهرت أني لا أفهم نظراتها، لا رغبة لي في التحدث عن رأيي مع فتاة كأحلام

حسنـــــــــاً…هي تتحدث معي، وتزعجني، وتتصل علي، وتعيرني قصصاً وتثرثر دون توقف وتتناول إفطارها بصحبتي

ولكن هي من تدير الحوار طيلة الوقت، وأنا في الحقيقة لا أشعر بالراحة بصحبتها، فأنا وهي من عالمان مختلفان

نعم…لم أعد ثرية جداً…بالأصح…لم أعد ثرية…امممم…ربما انتقلت للطبقة الوسطى…لا أدري

المهم أننا نعيش في بعدين مختلفين..هي تبدو فقيرة أو من عائلة متواضعة مادياً…ملابسها تدل على هذا

تحب ارتداء تلك الملابس التي تلتصق بجسدها وبألوان فاقعة مزعجة للعين ومتعبة للأعصاب

ترتدي كعباً، ترتدي إكسسواراً بلاستيكياً رخيص الثمن، تبدو ككل رخيصة

صوتها عال جداً، ولهجتها تدل على الطبقة التي تنتمي إليها، عطرها يثير الصداع

ذوقها في الطعام يختلف جذرياً عني، فأنا أحب أن آكل الأشياء الخفيفة حتى لا يزيد وزني، أو قطعة صغيرة من الشوكولا

بينما تحب هي أن تأكل البطاطس المقلي وتضع عليه أشياء أخرى دسمة الثوم وصلصلة الطماطم والصلصة الحارة وتشرب المشروبات الغازية بشراهة

الفارق بيننا كبعد السماء عن الأرض

استمرت بالثرثرة ولكني نهضت لأمشي حول الجامعة ما دام الجو جميلاً وقد تبقت ساعة ونصف على محاضرتي القادمة

اشتريت شاياً واشترت  مشروب الشوكولاتة الساخن

“ألا تخافين من هذه السعرات الحرارية؟:

قلتها قبل أن أستطيع كبح نفسي

ابتسمت بشقاوة

“لا يزيد وزني أبداً مهما تناولت من الطعام…في الحقيقة أتمنى لو أصل إلى الستينات ولكن وزني منذ سنوات لم يتغير:

أعدت خصلة من شعري خلف أذني، وفكرت في نفسي حيث كنت أستخدم ذات الكذبة

لأكذب على صديقاتي أثناء المرحلة المتوسطة والثانوية ولأغيضهن

لا يزيد وزني أبداً، أتمنى لو يزيد، كنت آكل أمامهم الشوكولا ومن خلفهم  أمارس رياضة عنيفة ولا آكل شيئاً حتى اليوم الآخر

وفي الجامعة تعرفت على خدعة أفضل، أصبحت أتقيء كل ما أتناوله، وأحرص على أن لا أزيد ولو ربع كيلو

“في جماعتي…الفتاة الممتلئة تعتبر مطمع الأمهات اللواتي يودن خطبة فتاة ممتلئة لأولادهن:

تعجبت مما تقول وقلت دون أن أستطيع أن أتوقف أو أتظاهر بعدم الاهتمام

“!لكن الرشاقة هي حلم الجميع…لا أعتقد أن هنالك رجلاً يحب المرأة السمينة..التي تتدلى كرشها ويكون جسدها مترهلاً:

ضحكت بخفة

“لا أقصد السمينة…أقصد الممتلئة ذات المنحنيات الأنثوية..ليس مثل جسدي أو جسدك…بل مثل الفنانات اللواتي يتمايلن على شاشات التلفاز:

زممت شفتي بغضب مكبوت، ماذا تقصد ليس مثلي؟ ثــــم…لم تقارني بها؟ هل جنت؟

صحيح أني نحيلة لكن جسدي أشبه بعارضات الأزياء لأني طويلة…أما هي؟…قصيرة جداً مثل عقلة الأصبع

بالعكس..لطالما سمعت كلمات الثناء والإطراء على جسدي…لطالما سألنني صديقاتي عن الحمية والرياضة التي أقوم بها

كل شيء يبدو علي جميلاً، كل القصات والصرعات الحديثة في الموضة تناسب جسدي

لكـــــن…ربما هي صادقة نوعاً ما

ربما جسدي لا يعجب الرجال!! بالطبع أنا لا أعرف هذا…لكني أذكر تلك الفتاة التي أحبها عامر عندما كان في المرحلة المتوسطة

كانت تسكن في الشقة المقابلة لنا في لندن

قصيرة وجسدها ممتلىء ويصرخ بالأنوثة وناعمه جداً

كانت أكبر منه ولكنه كان معجباً بها كثيراً

قصة حب فاشلة انتهت حينها لأن الفتاة صارحت عامر أنها لا تراه أكثر من ابن جيران وطلبت منه أن يكبر ويصبح رجلاً رائعاً قبل أن يفكر بها

وتذكرت جسد تلك الفنانة المشهورة التي يخر الرجال صرعى عند رؤيتها

وهي تمتلك جسداً لا يعجبني أبداً ولكن الناس مذهولون به ويكتبون به القصائد

وتذكرت شقيقة منيرة التي يحبها خالد

توقفت فجأة وأحلام تثرثر عن الطقس وأشياء غير مترابطة بلا توقف

شقيقة منيرة؟ هل كان جسدها ممتلئاً بالانحناءات الأنثوية؟

كانت ترتدي العباءة لكن…لم تبدو لي نحيلة جداً ولم تكن طويلة أيضاً

ابتلعت ريقي وتذكرت عامر حينما أغاضني ذات مرة وقال لي أن الرجال لا يحبون المرأة الطويلة..فهي تفتقد للأنوثة

“ما بك سمو؟:

تفاجأت عندما وضعت أحلام يدها على كتفي، وقطبت حاجبي دون أن أجيبها، تباً لها، جعلتني أفكر بأمور غريبة

“سأذهب لمبنى الكلية:

قلتها وأنا أوسع خطواتي مسرعة تاركة إياها خلفي محاولةً  اللحاق بي

***

رفعت عيني عن الحاسوب وعامر يتحدث معي وهو ينظر في أنحاء الملحق

“ماذا تريد؟:

قاطعته وأنا أضع يدي على خدي ببرود

“دعينا نخرج…أنتِ بحاجة للتغيير من جو المنزل…هذا ليس جيداً على صحتك:

لم يتبقى شيء على امتحاناتي النهائية

ولا أعرف بالرغم من الساعات التي أقضيها في كتابة المناهج إلا أني لم أعد أحفظ كما كنت من قبل

افتقدت تلك الذاكرة الهائلة التي كانت تمكنني من الحفظ في فترة قصيرة جداً

لا أعرف إذا كنت أود الخروج أم لا

فأنا لا أشعر بأي شيء في الوقت الحالي

“لنذهب إلى محل الأثاث الذي كنتِ تحبينه…سأشتري لك ما تشائين لتزيين غرفتك:

قطبت حاجبي باستغراب وقلت بشك

“من أين لك المال؟:

قال وهو يقف

“لا يهم من أين المال…المهم هو أن تخرجي قبل الاختبارات النهائية…حتى تستعيدي طاقتك وتعودي للمذاكرة بنشاط:

لم أقتنع بكلامه، ولكن الخروج أفضل من الجلوس لوحدي في هذا الملحق، فقد أصبحت اشعر بالاختناق

واتصالات رحاب ورسائلها المستمرة تثير انزعاجي وجنوني

ارتديت عبائتي وأخذت شالاً صوفياً لونه جملي أحمله معي أينما ذهبت

ركبت سيارته قديمة الطراز، ووضع قرصاً مدمجاً لأغاني قديمة جداً تثير جنوني

ولكني صمت، ولم أتجادل معه كالعادة

خرجنا من المزرعة وكان الطريق مظلماً ومخيفاً، لم تكن هناك الكثير من السيارات

فنحن في وسط الأسبوع

“كيف حال والدتي؟:

رددت وأنا أشد الشال حول جسدي

“ليست بخير…الطبيب النفسي يقول أنه يخشى أن يضطر لمعالجتها في مصحة..:

صمت عامر لدقائق ثم قال فجأة

“محاكمة أبي في الأسبوع القادم…لم أخبر والدتي…لا أريدها أن تقلق أكثر…لكنني ظننت أنه من حقك أن تعرفي:

شعرت بقلبي يتوقف لثوانٍ قبل أن يعاود النبض

وجف حلقي وحاولت تمالك رجفات جسدي

” مالذي سيحدث؟ له …………….. :

التفت ونظر في وجهي ثم هز رأسه بيأس

“لا أعرف…لن يكون الأمر سهلاً…القضية كبيرة جداً…ولا أعتقد أن الحكم سيكون بسيطاً:

تخيلت منظر أبي في السجن، مع الرعاع واللصوص، يتحكم به أفراد الشرطة، ولا يستطيع النوم في مكان مريح

والجو بارد الآن..كيف سيكون وضعه؟ وهو من نام على أفخم المفارش من القطن المصري والوسائد الناعمة

“ذهبت لرؤيته عدة مرات…لكنه رفض أن يراني:

بالتأكيد لن يراك، أنت الذي دائماً كنت ضده، لن يجعلك تراه بمنظره الحالي

“أريد منك أن تعلمني بالحكم الذي سيصدر بحقه….مهما كان….مهما كانت قسوته…أريد أن أعرف هذا…لا تجعل الآخرين يخبروني بالأمر:

هز عامر رأسه ببطء وهو يعود ينظر إلى الطريق الطويل الطويل وشعرت فجأة وكأن المرزعة تبعد آلاف الأميال عن الرياض

وصلنا إلى محل الأثاث الذي لطالما اشتريت منه سابقاً العديد من الأشياء

كل شيء يبدو أكثر روعة من العادة، تمنيت لو أستطيع شراء كل شيء، لكنني نظرت إلى عامر، الذي كان يقلب القطع لينظر إلى الأسعار

ثم يعيدها مبتسماً بضيق ومتظاهراً بأن الأمر لا يهمه

لم يتبقى الكثير في بطاقة الصراف الخاصة بي، لكنني أود الشراء

ناولت عامر الوسادات الصغيرة الجميلة  التي انتقيتها ودمية محشوة ضخمة وبضعة قطع أخرى

دفع الحساب وخرجنا، واخترت مطعماً إيطالياً اعتدت على الذهاب له ، ووافق عامر على مضض

هل أنا أنانية؟

لا يهم…المهم هو أن أشعر ببعض من سعادة الماضي

تلك السعادة…التي تبدو بعيدة المنال

تناولنا العشاء بهدوء ودون أن نتحدث…كل منا منطلق بأفكاره…نفكر في محكامة أبي بخوف

***

بدت المزرعة في غاية الهدوء…ذاك الهدوء المرعب

حيث كل شيء يبدو ساكناً وكأن العالم بأكمله قد صمت

أو اختفى بكامله عن الوجود ولم يعد على وجه الأرض سوى هذه المرزعة

لو سقطت ورقة شجرة…لسمعناها جميعاً

رعـــــــــــب…نعم…أشعر بالرعب

حتى المزرعة تشعر بالحزن على رحيل جدي…لقد سقط مريضاً

وتم تشخيص حالته بوجود ماء في التجويف ما بين الرئة والصدر ما يسبب له تعباً شديداً

قال الأطباء أن عليه على الأقل أن يمكث ثلاثة أيام في المستشفى…لكن حالة جدي عندما أتى الإسعاف لنقله

لم تبدو لي حالة رجل سيجلس في المستشفى ثلاثة أيام…كل تلك الهيبة والحضور القوي…اختفتا حالما سقط مريضاً

بدا هشاً، طاعناً في السن، وكأن التجاعيد فجأة ملأت وجهه، خفت أكثر عند رؤيته، شعرت بالاختناق ورحت أجري لأخبر أمي

لا أعرف لمَ شعرت بالقلق على ذلك الشيخ الكبير…فالموت حق…والمرض يصيب الجميع….شعرت بخوف لم أفهم تفسيره وقتها

بدت أمي في دنيا أخرى…لم ترد علي…لم تبكي حينما أخبرتها عن والدها…لم تقطب حاجبيها حتى

وضعت رأسها على الوسادة لتكمل ذاك السبات العميق الذي داهمها منذ فترة

من الجيد أنني وعامر قررنا أن لا نخبرها عن محاكمة أبي…حالتها لا تحتمل أي توتر أكثر

فالأطباء يحاولون السيطرة على الاكتئاب بإعطائها حبوباً قوية أثرت على نشاطها وزادتها خمولاً وبدأت تزيد في وزنها

خرجت من الملحق الذي أصبح جزءً لا يتجرأ مني ولا أستطيع مفارقته…ففيه أشعر بالسكينة والهدوء وأن هذا عالمي الخاص

ارتديت معطفي الثقيل الطويل، ووضعت الشال على شعري، لأن هناك بعض العمال والخدم وسائس الخيل وارتديت حذاء المطر أحمر اللون

مشيت في المكان دون أن أضع في ذهني وجهة محددة، الهواء البارد يلفح وجهي، شعري يتطاير مع الهواء، أشعر وكأن الشتاء

يساعدني في تهدئة مشاعري المتوترة والمتقلبة، لا أعرف لم أشعر وكأن كل الأحداث التي حدثت في الأشهر الماضية هي منذ سنوات وليست

منذ فترة وجيزة…الكثير من التغيرات أصابتني جسدياً وذهنياً ونفسياً وأصابت عائلتي أيضاً…أوووف

زفرت بضيق وأنا أقف أمام اسطبل الخيل، لم حصانين فقط؟ لمَ لم يجلب المزيد؟ دخلت الاسطبل ببطء

تلمست أنف الحصان وشعره ويداي ترتجفان، لا أجيد التعامل مع الخيل كثيراً، بدا الحصان شديد الضخامة، ليست هذه أول مرة

أقف أمامه وأداعبه، ولكنها المرة الأولى التي أشعر بها هكذا، تذكرت خالد وهو يمتطيه ويجري به

هو فارس ماهر ويبدو معتاداً على التعامل مع الحصان، شعرت برغبة شديدة تدفعني لركوبه

أود أن أمتطيه وأجري، أن أنسى كل ما حولي، أن لا أشعر بشيء سوى نفسي والحصان والهواء البارد

لست معتادة على ركوبه، لكنه حصان مروض ، لا خطر من الجلوس فوقه والتنزه قليلاً

فمنيرة تبدو مشغولة وهي تأمر الخدم وتخرج وتدخل المنزل، تعد الحجرات لوالدتها وشقيقتها وقد خرجت بعض الخادمات لتجهيز الأفران الخارجية

أعتقد أنها ستقيم حفل شواء لهم، زفرت بعمق وأنا أشعر بمشاعر شبيهة بالحسد…كلا…لا  أشعر بالحسد…لن أشعر بالحسد من منيرة

فلا مقارنة بين حياتي وحياتها…حتى حياتي الآن…أفضل منها بمراحل…هذا…ما أظنه

هززت رأسي بعنف وركبت الحصان بصعوبة وحاولت التوازن فوقه

بدت الأرض بعيدة بشكل مخيف ولكني أكملت طريقي

آآآآآآه ماهذا الشعور…أشعر وكأن الدم يندفع بجسدي بنشاط

جميل…جميلة هذه الحرية التي أستشعرها الآن…لوهلة نسيت  كل شيء حولي

ونسيت أني فوق الحصان…وتلاشت مشاعر كثيرة داخلي…وكأنني أطير…شعور مشوق…مثير

أسرع الحصان خطاه ولم أنتبه للأمر فقد كنت مشغولة بإبعاد شعري عن وجهي بسبب الرياح

تمنيت لو أمكنني أن أجري به…كما يفعل خالد دائماً…ضربت الحصان قليلاً ليسرع أكثر

فقط أريده أن يجري في هذا المكان الواسع…أن أنسى كل ما يدور في هذا الكون…واختبار الغد…والجامعة ورحاب ومساعد وكل ما يخيفني وأكرهه

لكن لقلة خبرتي لم أستطع السيطرة على الحصان حينما لاحظت أنني على وشك السقوط

حاولت أن أصرخ لكن صوتي اختفى تماماً…أمسكت باللجام محاولة السيطرة عليه وأنا أشعر بالرعب…فالأرض تبدو بعيدة

والحصان يرتفع في الهواء ثم يعود ليضرب الأرض بقدميه بقوة

انطلقت صرخة مدوية مني…وتبعتها صرختان أخريتان

صوتي اختفى تماماً بعدها…تسارع شريط أحداث حياتي أمام عيناي…والدي…والدتي…عامر…الحفلات الضخمة…الهدايا الجميلة…ليالي باريس وجنيف

عيد ميلادي…دخولي الجامعة…حفلات صديقاتي…العديد من المواقف المحرجة والمضحكة والمحزنة…خبر تهمة والدي…انهيار والدتي…رحيلنا عن القصر

وصولنا هنا…مساعد ورحاب …الكثير الكثير….ثم…خــــالد…لم ظهر وجهه فجأة وسط الشريط؟ لم توقف الشريط عنده؟

شعرت بيدان قويتان تمسكان بي من خصري وتسحباني، صرخت برعب وأنا أمسك برقبة الحصان بشدة، وفي لحظات انتقلت إلى حصان آخر

صرخ خالد بوجهي وأنا أصرخ برعب وأرتعش بشدة وظل يهزني بقوة وكأنه نسي نفسه للحظات

نسيت ارتفاع الحصان وأنا أبتعد عنه لأنزل فسقطت على الأرض

نزل بسرعة وحاول مساعدتي وهو يلعن ويشتم كل من يعرفني واليوم الذي لمست به الحصان والحصان والجو والمزرعة وأنا

أردت أن أرد عليه، لكني شعرت وكأن القطة أكلت لساني، لم أستطع الرد عليه، بقيت عيناي ممتلئتان بالدموع وأنا آكل شفتي بغضب وأحاول التحرك

لكن ركبتي ….لا يمكنني تحريكهما

…سمعت صوت تصفيق قوي، التفت باستغراب، فوجدتها

تلك الفتاة…التي رأيتها من قبل…ماذا تفعل الآن؟ ولم تبدو سعيدة وهي تصفق بحماس

“رائع…خالد…ذلك كان رائعاً حقاً…بدوت كفارس حقيقي:

نظر خالد لها، ولم يبتسم، قال بصوت منخفض ولكن بغضب شديد

إياكِ….ثم إياكِ أن تفعلي هذا مرة أخرى…عامر لا يستحق شقيقة مستهترة مثلك…ألا تكفي حالة خالتي؟ انظري إلى وضعكم العائلي قبل أن تقرري بحماقة وقلة تفكير:

“…وتهور فعل شيء مثل هذا

حاولت أن أرد، أن أصرخ بوجهه، أن أمشي بعيداً وأنا أرفع رأسي وكأنني لم أهتم بما فعله

لكنه حقيـــــــــــر…جداً حقير…سافل…أكرهه…ماذا يظن نفسه؟ هاااا….يعنفني أمام تلك الفتاة التي اتسعت عيناها بفضول شديد وهي تكتم ابتسامة

شعرت وكأني طفلة صغيرة توبخها والدتها أمام صديقاتها، تذكرت والدتي عندما وبختني بشدة عندما ضربت إحدى الطالبات القبيحات في المرحلة الابتدائية

لم تهتم والدتي لتواجد الجميع حينها…بل وبختني وهي تعتذر لوالدة الطالبة الأخرى…وضحك الجميع وقتها…وبدأوا يتهامسون

“لولوة(شقيقة منيرة): خاااالد…لا تقل هذا لفتاة…لقد كادت أن تموت لو لم تنقذها

نهض خالد ونفض التراب عن بنطاله الأزرق، ومد يده لي، لكني نظرت بكره وحقد لهذه اليد وقلت بعصبية

“لا أحتاج مساعدتك….اغررررب عن وجهي:

صرخت في نهاية الجملة وأنا أحاول النهوض ثم أعاود السقوط بيأس، تباً لقدمي، ماهذا الخوف الذي أشعر به

خالد ببرود:اذهبي سريعاً إلى غرفتك وغيري ملابسك…فستمرضين…درجة الحرارة منخفضة وملابسك مبتلة…لا ينقص عامر الآن أن تصابي بالمرض

فكري بأخيكِ قليلاً…وبخالتي أيضاً…وبنفسك أخيراً…قبل التصرف مرة أخرى…دعي الأنانية التي عشت بها سنيناً طويلة..فلقد تغيرت الأوضاع…ولم تعودي

“أميرة ذاك القصر الكبير…عليكِ أن تستوعبي هذا

ذهب، نظرت لولوة لي من الأعلى حتى الأسفل

“…غبية:

قالتها بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواي مرفقاً بضحكة ساخرة والتفتت وهي ترفع عبائتها لتلحق بخالد بجرأة

جلست مكاني دون حراك ورأيت خالد ولولوة من بعيد يعيدان الحصان الآخر للإسطبل

شعرت بقهر شديد ونزف بعض الدم من شفتي التي مزقتهما دون أن أشعر

ما الذي يحدث معي؟ لمَ لم أرد عليهما؟امتلئت عيناي بالدموع وشعرت بألم شديد في قلبي

تمددت على العشب البارد والمبتل، شعرت بالبرودة تدخل جسدي لتشلني تماماً عن الحركة

عيناي مليئتان بالدموع…وجسدي يرتعش…وشفتاي ملطختان بقطرات دم جافة…وشعري يتطاير

وتذكرت قارئة الفنجان وما قالته قارئة الفنجان

لمَ لم تخبرني حينها تلك العجوز

بأني سأصبح شخصاً بلا قيمة…بلا مستقبل…بلا احترام

لمَ لم تحذرني حتى لا تقودني زوابع الأحلام..إلى مكان مجهول..لا أستطيع العودة منه بسهولة

وأقف مصلوبة اليدين..مقيدة الحركة…لا أجرؤ على الفرار

والناس تعبر من فوقي وأظل مصلوبة مقيدة أسيرة هذا الحاضر…ينظرون لي بسخرية ويتهامسون

ودموعي  متجمدة محتفظة بشظايا كرامتها وعزتها

وأصبح كالميت الحي…الذي يفترض أنه فقد كل مشاعره..ولا يتحرك سوى جسده

لكني أسوأ منه…فما زالت المشاعر تشتعل داخل صدري..تؤلمني..تمزقني…تقتلني

أتجاهلها…وتلاحقني…تذكرني بالحاضر والمستقبل وتثير رعبي

ليتني أعود طفلة صغيرة…أخاف من الكوابيس ومن وحش الخزانة

وأجري إلى والدي…ليرفعني عالياً …عالياً حتى أصل إلى السماء…ويعانقني بحنان ويجعلني أنام بجانبه وبجانب والدتي

أشعر بالدفء…والأمان…وأن كل العالم تحت قبضة يدي…وأن لا شيء مستحيل…وأن المحال كلمة لا تتواجد في قواميسي

أين أنتِ يا آلة الزمن…فقط انقليني إلى تلك اللحظات…لثوان معدودة…ودعيني أستشعر شيئاً…لن يعود أبداً…شيئاً…لم أعرف قيمته حينها…شيئاً…لا يقدر بمليارات العالم

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s