الفصل الثامن – مقياس الشرف

نظرت إلى جسدي المحمر بعدما غسلته لعدة مرات

جرحت نفسي وأنا أفرك يدي وكل جزء لمسه من جسدي

أيضا جعلت الماء شديد السخونة، لا أود رؤية أي أثر لتلك اللمسات

فما زالت الذكرى  تثير القشعريرة في جسدي

لم أستطع النوم جيداً رغم الإعياء الذي أشعر به

نومي أصبح صنفاً من صنوف العذاب منذ عدة أشهر

منذ فضيحة والدي و انتقالنا هنا

أصبح النوم الهنيء حلم من الأحلام المستحيلة

حتى أن هالات سوداء بدأت تظهر تحت عيني

ولن أنسى ذكر هذه الحبوب الحمراء الصغيرة على ذقني وأعلى خدي وجبيني

أنا…التي عرفت بجمال بشرتها دون أن أضطر لزيارة الأطباء و دون الإسراف في عنايتها

لكن أنظر إلى نفسي الآن في المرآة…ما زلت جميلة..نعم…لا يمكنني أن أنكر هذا

ولكني لم أعد مثلما كنت قبلاً…بشرتي تغيرت…وزني وصل إلى 43 نحيلة جداً وملابسي أصبحت واسعة…شعري فقد حيويته

لا أريد أن أفقد جمالي…وضعت يدي بقوة على وجهي لأختبئ من المرآة…لم أعد أرغب برؤية وجهي والوقوف أمام المرآة بالساعات كما كنت سابقاً

سمعت صوت هاتفي الخليوي، وتلك الرنة التي خصصتها لصديقاتي سابقاً ولم أغيرها

أغلقت الخط وأقفلته

فاتصالات رحاب لم تتوقف ولم أكلف نفسي عناء الرد

سمعت طرقات راقصة على الباب

فتحته متسائلة من الذي سيأتي لزيارتي

ربما يكون عامر، فلا أتوقع أن تأتي أمي لرؤيتي فهي في حالة شديدة من الاكتئاب

ولم تغادر غرفتها منذ خبر القبض على والدي

“وجدت منيرة تبتسم وهي ترفع صينية وضعت عليها قدحين من “السحلب

نظرت لها باستنكار ولكني لم أقل شيئاً

سمحت لها بالدخول وجلسنا على الأريكة الوحيدة في الملحق

قالت وهي تفرك يديها  من البرد

الجو يزداد برودة هذه الأيام….لست من الأشخاص الذين يستمتعون بالشتاء…لا أعرف حقيقة لم يحب الناس فصل الشتاء؟ فصل كئيب وجدك يحب أن نقضيه في المزرعة:

أمسكت بقدح “السحلب “وأدرته بين كفي أستمد بعض الدفء من سخونته

الأبخرة تتصاعد أمام عيني ثم تتشابك وتتعانق وكأنها أحبة لم تقوى على الفرق

“آسفه لأني أتيت فجأة هنا…لكنني…أردت أن أطمئن عليكِ…فخالد رفض التحدث معي عن الأمر…بل لم يعطني فرصة لأسأله:

نظرت إلى أظافرها الطويلة المطلية بطلاء برتقالي اللون صارخ

والخواتم الضخمة من الذهب والألماس والمجوهرات الكريمة

والقرطين البراقين، والمكياج المتقن، والشعر المسرح بإبداع

كانت ترتدي سترة شتوية واسعة بنية اللون تصل إلى ركبتها وحذاء أسود طويل جلدي

بدت مرحة على غير العادة، كلا…هي مرحة طيلة الوقت، ولكنها عند رؤيتي أنا وأمي تعبس وتقطب حاجبيها ولا تحب التجادل معنا

ربما لأنها تعرف رأي والدتي بها، وربما لأنها تعرف جيداً أن لا أحد يحترمها حقا، ولكني أراها دوماً مع جدي، تستمع له بهدوء، ويبدو جدي

سعيداً بجانبها رغم عصبيته و غروره، راقبتهم كثيراً من نافذتي، ولاحظت الفارق الشاسع بين علاقتهما وعلاقة والدي بوالدتي من قبل

“لم تزوجت جدي؟:

سألتها لا شعورياً ودون تفكير

توسعت عيناها وكأنها لم تتوقع سؤالي، ثم امالت رأسها وهزت كتفيها وقالت بضحكة لا حياة فيها

“لأجل………ماله…….أليس هذا ما تعتقدينه؟:

لم أرد عليها، فأكملت حديثها وهي تشرب قليلاً من القدح الساخن

“مهما قلت لك…فقد أصدرتِ حكمك علي…وانتهى الأمر:

قلت وأنا اشرب قليلاً من السحلب باستخدام الملعقة وفي منتهى الصراحة

ليس الأمر أني حكمت عليكِ…..لكنك صغيرة في السن…..لستِ عجوزاً…..ولا امرأة تجاوزت الأربعين وفقدت فرص الزواج…..لم يكن هناك شيء:

“يجبركِ على الزواج من جدي…انظري إلى فارق العمر بينكما

أمسكت بخصلة من شعرها  الأسود الفاحم ولفتها حول إصبعها وهي تنظر إلي بعينان محاطاتان بالكحل الفاحم والماسكرا الكثيفة

“أنتِ الآن…لم تعودي ثرية كما كنتِ…ماذا ستفعلين؟…ألن تتزوجي رجلاً ثرياً إذا سنحت لك الفرصة؟:

ابتسمت  ببرود وأنا أنظر في السحلب وأرفعه بالملعقة وأعود لسكبه

“وضعي لا يشبه وضعكِ…وحياتكِ سابقاً لا تشبه حياتي سابقاً…ليس من العدل تشبيهنا ببعضنا:

أكملت منيرة وهي تتكلم دون عواطف وبنبرة شديدة البرودة ودون أن تظهر أي تعابير على وجهها

“خطبني جدك…رجل شديد الثراء…وفي كامل صحته…وسيقدم لي كل ما حلمت به يوماً…كانت صفقة رابحة…مهما فكرت بها..هي صفقة العمر:

وأردفت وهي تجلس القرفصاء وتقرب وجهها مني وكأنها تدافع عن نفسها

“بالمقابل…منحته جسداً شاباً…..وعقلاً واعياً…..وإخلاصاً لن يجده عند غيري…..فم الذنب الذي أذنبته؟:

رددت عليها بشراسة

“أخذته من زوجته وأبناءه وأحفاده…جعلته يلهى بك وبطلباتك وبعائلتك…هذا هو الذنب الذي ارتكبته:

وأكملت بجرأة غريبة وحقد…نعم حقد

“كما أنك تخططين لجلب المزيد من أفراد عائلتك وربطهم بعائلة جدي:

رفعت منيرة حاجباً وهي ترد علي بغضب ولكن صوتها ظل منخفضاً ولم ترفعه

لم آخذه من أحد…زوجته امرأة عجوز عاشت معه ما يقارب الخمسون سنة أو أكثر…وأحفاده كل شخص منهم مسؤول عن نفسه…وأبناءه لطالما منحهم من الأموال ما يشاءون…من حق:

“عائلتي الاستفادة من زواجي…وكل فتاة في مكاني ستخدم أقاربها

وأكملت وهي  تتحدث وكأنها تبرر لنفسها

عشت منبوذة بعد عقد قرآن لسبع سنوات لم ينتهي بالزفاف…الجميع نبذني ولم يتقدم أحدهم لخطبتي…والرجل الذي تركني ذهب وتزوج بعدها بفترة قصيرة دون التفكير بي…كنت أقترب :

“من الثلاثين دون أي أمل في الزواج…لمَ؟ أنا الجميلة التي يتحدث الجميع عني؟…لمَ كل صديقاتي يتزوجن وأبقى أنا أبكي على الأطلال؟

ثم تابعت وهي تمسح دمعة فرت من عينيها وبقهر ومن بين شفتين تحاول أن تمنعهما من الصراخ

حتى صديقاتي المقربات ابتعدن عني…جارات والدتي لم يعدن يتحدثن معها لأن أزواجهم تقدموا لخطبتي…وماذنبي أنا؟ هل فعلت شيئاً لكم؟ هل وافقت على أزواجكم؟ كل ما فعلته هو:

أني اشتقت لحياتي الجامعية حيث كنت فتاة محبوبة يحيط بها الجميع…أردت شخصاً أتحدث معه وأخبره بمخاوفي وكل ما أشعر به…أردت من يشاركني حزني ومشاعري…ولكن تباً لتلك

“النسوة…لم يقدرن مشاعري…وبدأن بنشر الإشاعات عني…وأني امرأة سوء..ولذلك تركني خطيبي بعد سبع سنوات

وبدأت منيرة تسرد لي حياتها من قبل وهي تجاهد ليبدو صوتها واضحاً ولكني تظاهرت بعدم الاهتمام وأنا لا أنظر إلى وجهها بل أنظر في سريري تارة وفي النافذة تارة أخرى

عشت الفتاة الكبرى التي يعتمد عليها والدي..كنت أقوم بكل شيء يريدونه…أنا المطيعة التي لا تعصي لهم أمراً…اذهبي يا منيرة فأذهب…تعالي يا منيرة فأجيء…تزوجي هذا الرجل يا :

“منيرة فهو من جماعتنا والقريب أفضل من الغريب ووافقت حتى أرضيهم…ثم ماذا؟

تساقطت الدموع على خديها دمعة دمعة ثم ازدادت دموعها وأخذت تمسحها بعنف وهي تكمل

حين عقد قرآنه علي…أنا زوجته أليس كذلك؟ ما العيب في أن أكون جريئة معه؟…ما العيب في إعطائه ما يرغب؟ ما المشكلة إذا خرجت معه دون علم أهلي؟ كان يقول لي أنا:

“زوجك…ألا تحبينني؟…ألا تثقين بي؟…كيف سيكون الأمر إذا عشنا سوياً وأنتِ لا تثقين بي

مسحت دموع عينيها  ولم تتنبه للكحل الذي سال على خدها وهي تتذكر وكأنني لست بجانبها كل ما حدث مع خطيبها السابق

خرجنا سوياً…وكنا نلهو…وكنت أعطيه ما يشاء…ظننت أن هذا سيرضيه…ظننت أنه سيحترمني أكثر…ظننت أنه لا بأس بهذا…ما العيب في هذا؟ هو زوجي…بيننا عقد قرآن…هناك :

“شهود…لست امرأة من الشارع…لم اعتبرنني جريئة؟ لم أقصاني تدريجياً من حياته؟ لمَ حينما منحته جسدي…تخلى عني؟

وضعت يديها على رأسها وشدت شعرها بقوة وهي تتذكر وأخذت تبكي بشدة وتمسح أنفها وتشهق

منحته جسدي…ليس برغبتي…فعل هذا رغماً عني…مردداً أنني زوجته وحلاله…وهذا حق من حقوقه…وأنه سابقاً لم تكن هناك فترة عقد قرآن طويلة…وكل هذه تقاليد ما أنزل الله بها :

“من سلطان…اغتصبني….وقال أن هذا لا يعد اغتصاباً…وليس علي أن أقلق

 بقيت صامتة في مكاني أرقبها وهي تمسح الدموع من عينيها ثم تمسح أنفها وتكمل

ليس علي أن أقلق…وقد وصلتني ورقة الطلاق…وبعدها تزوج من ابنة عمه…وتساءل الجميع عن الأمر…لم يخبرهم عما فعل…ولم أجرؤ على إخبار عائلتي بالأمر…:

خفت كثيراً ظللت أرد الخطاب الذين تقدموا لي…حسناً..ههههههه….في الحقيقة لم يتقدم لي إلا الشيوخ الطاعنون في السن…الشباب لم يجرؤوا على الاقتراب من فتاة بقيت مخطوبة

“لسبع سنوات…ولكن حتى لو حدث أن خطبني رجل شاب…لم أكن أستطيع الموافقة…فشرفي معلق…وأنا لا أعرف ما العمل؟

“تحدثت أخيراً : ولمَ وافقتِ على جدي؟ ألم تخشي أن يطلقك ويفضحك؟ كيف استطعتي أن تمضي في زواجك منه دون خوف؟

“وأكملت وأنا أرتدي سترة ثقيلة لأني شعرت بالبرد: جدي رجل مخيف…ملامحه تنبؤ بالشر…ويمتلك شخصية مهيبة…ليس من الرجال الذين قد تخدعهم امرأة…مهما كانت جميلة

ردت علي وهي تبتسم براحة  وتمسح عيناها المحمرتان وملامحها تنطق بالأمان والتقدير

أبي من عرضني على جدك…كان أبي يشعر بالسوء تجاهي…فهو يرى أني بلغت من العمر عتيا…وأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية عنوستي…وقرر أن يخطب لي بدلاً من انتظار :

الخطاب…وبما أنه يعمل عند جدك…تكلم معه في يوم من الأيام بالموضوع…والغريب أن جدك كان يفكر بالزواج منذ فترة…وقد وافق كلام أبي هواه في تلك الساعة….جاء..ولن أنسى

ذلك اليوم…صرف أبي جزءاً كبيراً من مصروف المنزل ليشتري بخوراً وعوداً باهظ الثمن …واشترينا كل مالم نحلم بشراءه وادخاله منزلنا من التمر السكري ومختلف الحلويات.. اشترى

لأشقائي الذكور أثواباً جديدة واشتروا لي فستاناً جميلاً حتى إذا طلب رؤيتي أكون جاهزة…وأخذتني أمي إلى صالون تجميل وطلبت منهن وضع بعض الأصباغ على وجهي وتمليس

شعري

“وجعلي جميلة أكثر

قلت وأنا أبتسم بسخرية

“بالتأكيد…كان جدي هو جائزة اليانصيب:

هزت منيرة رأسها دون أن تغضب من كلامي ووضعت يدها على خدها وهي تميل على طرف الأريكة

“تجيدين إثارة غضب الناس…هذه هي المرة الأولى التي أخبر فيها أحدهم كل هذا الكلام…أعتقد أنك لستِ من الأشخاص الذين يعشقون الثرثرة ونقل الكلام…فنادراً ما أراكِ تتحدثين:

قلت لا شعورياً وأنا آخذ قدح السحلب لفرن المايكرويف

“حسناً…أكملي قصة نجاحك…في العثور على الكنز:

ابتسمت نصف ابتسامة وأنا أدير رأسي ناحيتها

“نعم…أكره حقيقة أن يتزوج شخص فقير من ثري…لكني أعتقد أنك ذكية وهذه فرصة كان من الصعب التفريط بها:

أكملت منيرة وهي تنهض من مكانها لتجلس على سريري وتكمل بحماس

بعد القهوة والأحاديث المتنوعة…طلب جدك من والدي رؤيتي…وأتاني والدي وهو مستبشر وفرح…”اذهبي يا منيرة اذهبي…إن الله يحبك لأنك بارة بأبويك…فهاهو أبو سلطان يأتي :

 لخطبتك….اذهبي هيا”…و تحركت من مكاني وكأن أحدهم أمرني بالذهاب إلى منصة الإعدام…تخيلت العار يرتسم على وجه والدي…وتخيلت جدك وهو يطلقني…وتخيلت أشياء كثيرة

وخفت وتمنيت لو أستطيع الهرب…لكن هذا محال …وصليت من أعمق

..أعماق قلبي أن لا أعجب أبا سلطان ولكنني أعجبته وكانت نظرات الإعجاب تتقافز من عيناه لوجهي وشعري وجسدي…وألبسني ساعة فخمة مرصعة بالألماس والمجوهرات..شعرت

بأنها شديدة الثقل وشعرت بثقل في أطرافي وتسارعت دقات قلبي بجنون خوفاً من اليوم المحتوم…

…طلب من أبي تعجيل الزواج…فلا يوجد ما يجعل الزواج يتأخر…فأنا عروس جاهزة…لا تشغلني دراسة أو وظيفة..وهو عريس جاهز…ليس بحاجة لوقت حتى يجمع مهره أو يؤثث

“شقته..ووافق أبي….ثم

صمتت لدقيقة وهي تبتلع ريقها وتحاول أن يكون صوتها واضحاً

: ثم لمعت عيناها بالدموع وهي تضحك معتذرة

دوماً أتأثر حين أتذكر هذا الأمر…اعذريني…اتصلت بجدك قبل موعد الزفاف بأسبوع…”

  فلم يكن بين الخطوبة والزفاف سوى شهر…ودار بيننا الحوار الآتي..لن أنسى هذا الحوار حتى الممات

“السلام عليكم….أردت التحدث معك وآسفه لإزعاجك في هذا الوقت من الصباح…فأنا أظنه أنسب وقت  لما سأقوله”

“مرحباً منيرة…أنتِ ستصبحين زوجتي قريباً…لا داعي لمثل هذه الرسميات…أخبريني…ماذا تريدين؟ هل ينقصك مال؟ ألم يكن المهر كافياً؟..إذا أردتي شيئاً ما لا تخجلي”

أغضبتني جملته وشعرت أنه يحتقرني

“كلا..المهر كان أكثر من كاف…شكراً لك…لم أتصل بشأن المال….أظنك ترانا أشخاص بحاجة للمال ..ولكننا والحمدالله مكتفون..”

وتابعت بعصبية : نستطيع العيش كما كنا…لا تعتقد أنني سأتزوجك من أجل المال…فأنا لا أود الزواج…أنا لست امرأة مسؤولة…لا أجيد الطبخ…ولا أحب الطاعة والخنوع والانقياد

“كما أنني فقيرة…ولا أفهم في عادات الطبقة الراقية التي تنتمي إليها…لن أكون مصدر فخر بالنسبة لك

هههههههههههه…. ياللشجاعة ..أحب المرأة الجريئة الشجاعة..ماذا تريدين يا منيرة؟..أنا لا أهتم بالطبخ فهناك طاهيات في منزلي…ولا أحب المرأة المطيعه الخانعة فزوجتي”

“الأولى هكذا…لذا لا تقلقي…وعادات مجتمعي…ستعتادين عليها سريعاً فيبدو لي أنك امرأة ذكية….شكراً لصراحتك

“ليس الأمر هذا فقط…أنا….أنا…أنا…لست كما تظن”

“ماذا تقصدين؟”

“أنت خطبتني وأنت….تظن….أنني….فتاة عـ…آسفة…آسفة”

وانخرطت في نوبة بكاء شديدة…حاول أن يهدئني ليفهم الأمر لكنه لم يستطع…لم أستطع إخباره بالأمر…فهذا يتطلب شجاعة عظيمة لم أكن أتمتع بها

ماذا أقول له؟ وكيف أخبره بسواد وجهي وفعلتي الشنيعة؟ وكيف سيتصرف معي؟

مئات الأسئلة تتصارع داخل رأسي والآلاف من التخيلات المريعة تحاصرني فنحن في مجتمع لا يرحم النساء ولا يصغر أخطائهن، فكل ما تفعله المرأة عظيم عظيم

نغفر للرجل ذنوبه وهفواته ولكن هيهات أن نفعل المثل للمرأة…ونقول لأننا نحبها…ونخاف عليها…ونحترمها…لكنهم يسجنونها ويحرمونها من كل شيء

في مجتمعي…المرأة متهمة حتى يثبت عليها الذنب…دوماً ستظلين متهمة ولن يمنحوكِ فرصة الدفاع عن نفسك…حتى لو كان ما فعلته لا يخالف الدين…ولكنه يخالف الأمر

الأكثر أهمية لديهم…العادات والتقاليد التي تكبلنا لألف سنة للوراء

حاولت أن أهدأ ،  أو أرغمت نفسي على الهدوء، فلا يمكنني التراجع الآن، واستجمعت ما تبقى من شجاعتي مرفقة بكل الصلوات

لكي لا يفضحني بعد أن يعرف، لكي لا يخبر والدي، لكي يستر علي ويهجرني دون أن يخبر أحدهم بالأسباب

“لست عذراء”

جملة واحدة قلتها سريعاً ثم صمت، لم أستطع التحدث أكثر ولا التبرير ولا التوضيح، المهم هو أن أكون عذراء حتى يتضح شرفي، وأنا عفواً يا مجتمعي العزيز لست عذراء، ولست شريفة

بمعايير  المجتمع المريض

بينما ظل جدك صامتاً على الخط الآخر لفترة بدت دهراً، لكنه تكلم بعد دقائق بصوت هادىء يمنح الراحة لمن يسمعه وقال

“كنتِ متزوجة من قبل…أعلم هذا…بالتأكيد…من المفترض أن تكوني عذراء…لكن…إذا لم تكوني عذراء…فلا تعتبر مصيبة…فقد كنتِ زوجة أحدهم من قبل”

وتابع وهو يغلق الخط

“ليس هذا ما يحدد شرف المرأة…لو لم تكن لكِ علاقة ارتباط شرعية لما وافقت على الزواج بك…لكنك مطلقة..أتفهم هذا…”

( رأيتي كم جدك رائع؟ كم هو متفهم؟ كم هو كبير القلب؟لم يعتبرني فاسقة أو امرأة منتهية الصلاحية…بل رآني إنسان

قطبت حاجبي وأنا أجلس القرفصاء على الأريكة

“ربما أنتِ محظوظة…ولأنك محظوظة تغاضى جدي عن الأمر…أو تفهم قصتك..ولكن علاقتي بجدي…ليست طيبة…ولا أحب سماع المديح والثناء له:

وقفت منيرة وقالت وهي تفرك يديها ثم تمدها إلى أقصى مدى

“إذا لن تغيري نظرتك إتجاهي؟…حتى بعد كل ما سمعته؟:

قلت وأنا أسحب مفرشاً صوفياً ثقيلاً لونه أبيض وأفتح جهاز الحاسوب المحمول

“!!لا يهم ما أقوله…تعلمين أني لا أحب التحدث مع الآخرين عما يدور في رأسي…قلت لكِ من قبل…أنتِ امرأة ذكية…وأنا أحب الأشخاص الأذكياء:

دخلت على المدونة الخاصة بي وتجاهلت وجودها أمامي، وتظاهرت أني لست مهتمة بوقوفها وعلامات الخيبة مرتسمة على وجهها

وخرجت بعد أن أغلقت الباب وتمنت لي نوماً هانئاً

نظرت إلى الباب بعد أن أغلقته، لم حكت لي كل هذا؟ هل تشعر بالوحده مثلي؟

بالتأكيد تشعر بالوحده، تعيش لوحدها في منزل كبير وجدي مشغول بضيوفه، كما أن فارق العمر بينهما مخيف

ولا أعتقد أن هناك أرضية مشتركة للحوار بينهما،  أعترف أن هناك شيئاً تغير في داخلي بعد سماعي قصة منيرة

فكرهي الشديد لها قل قليلاً، وبدأت أنظر لها كإنسان وليس كشخص انتهازي سافل كما كنت أفعل من قبل

فتحت هاتفي المحمول، ووجدت 43 اتصالاً من رحاب، و5 اتصالات من احلام

رميت بهاتفي المحمول على الأرض دون اهتمام، وسحبت المفرش الصوفي على جسدي، ووضعت فيلماً فرنسياً قديماً بألوان الأبيض

والأسود وأغلقت الأضواء، وبدأت بمشاهدته، وعقلي في عوالم أخرى يبحر بعيداً بعيداً ولكني ما زلت هنا في مكاني

لم أرحل ولم أذهب ولم أهرب

فأين أهرب؟ ولمن أهرب؟ ومن سيتلقاني برحابة صدر؟

فأنا أعيش في عالم الوحوش حيث ينهش كل شخص من لحوم الآخرين

يتظاهرون بالرحمة ويخفون داخلهم الظلام والقسوة

ما أن يسقط شخص ما حتى ينهشونه بوحشية ثم يهجرونه ويرحلون

ليبقى…..وحــــده….وحيداً في هذا الكون الفسيح

***

لو كنتَ يا أبتاهُ مثلي

لعرفتَ كيف يضيع منا كلُ شيء

بالرغم منا .. قد نضيع

بالرغم منا .. قد نضيع

من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟

من يجعل الغصنَ العقيمَ

يجيء يوماً .. بالربيع ؟

من ينقذ الإنسان من هذا .. القطيع ؟

 

Advertisements

2 thoughts on “الفصل الثامن – مقياس الشرف

  1. فصل خفيف لطيف
    تعرفنا منه على ماضي منيره
    تغيرت نظرتي لها وتعاطفت معها :-\
    حبيت تشبيه الابخره بالاحبه جميل مره وفي محله ❤
    بس وش هالسحلب ?!!! اول مره اسمع بهالمشروب D:

  2. السحلب خخخخخ مسحوق من اللوز ينطبخ مع الحليب، مشروب مشهور عند المصريين وأهل الحجاز، انصحك فيه حلاته في الشتاء لذيـــــــــــذ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s