الفصل الرابع- ما بين الحلم واليقظة

غريبة هي مشاعر البشر

وغريبة هي مشاعر والدتي ناحية والدها

والأغرب من هذا وذاك هي مشاعري أنا في هذه اللحظة

مشاعري التي لا يمكن لكلمات العالم أن تصفها

التي لا يمكن للشعراء التعبير عنها

التي تعجز اللغات بأن تصيغها

فأنا ما زلت في حالة الغيبوبة سابقة الذكر

أحملق ببلاهة في الأريكة البيضاء اللون التي بجانبي

يمتد مجلس جدي بلا نهاية أمام عيني ونجلس في آخره بخوف

فلا نمتلك الجرأة لنجلس في مقدمته

وفي صدر المجلس، هناك صورة ضخمة لجدي وهو يحمل بندقه بيده ويجلس بفخر وكأنه أحد الأمراء

كلا، فجدي يفخر بنفسه أكثر من فخر كل الأمراء والعلماء والأدباء

فهو يظن أنه الأفضل بلا منازع

ويعتقد أن لا مثيل له على هذه الأرض

وقد ورث طبعه هذا عدد من رجال العائلة

طقطقت أصابعي بتعب وأسندت ظهري براحة

لقد مضت أربع ساعات منذ وصولنا

ولم يأتي أحد إلينا، لم يأتي الخدم بالماء الذي طلبناه، ولم يأتي جدي، ولم تأتي زوجته

وضعت والدتي يدها على خدها وقالت وعيناها ممتلئتان بالدموع

“أرأيتي؟ كيف له أن يكون بهذه القسوة؟ حتى زوجته لم تأتي لاستقبالنا:

لم أجبها، بل أمسكت بهاتفي المحمول ودخلت قائمة الأسماء، “الرائع” لا يوجد أي اتصال من أبي

قطبت حاجبي وأنا أشعر بصداع شديد يجتاح رأسي ويجبرني على وضع الهاتف في حقيبتي مجدداً

سمعت صوت خطوات تقترب منا، لابد أنها زوجة جدي، فكعبها يصدر ضجيجاً رهيباً وهي تمشي

لم أرها من قبل، ووالدتي التقت بها مرتان وعلاقتها رسمية بها، ولكني أعرف مشاعر والدتي تجاهها

فلا يمكن أن تحبها أو تحترمها، فكيف لها أن تحترم فتاة لا تتجاوز الثلاثون من عمرها تتزوج رجلاً يكبرها بأربعون سنة على الأقل؟

دخلت فتاة طويلة إلى المجلس وهي تمشي بدلال وتمايل بسبب كعبها الرفيع ذو اللون الأحمر

كانت ترتدي بنطالاً لونه أخضر من قماش المخمل، وقميصاً رسمياً أبيض اللون وقد رفعت شعرها فوق رأسها بنعومة

ولم تكن تضع الكثير من الزينة على وجهها، لكنها بدت…امممم…ليست أجمل مني بالتأكيد…لكنها جميلة أيضاً

لم ننهض وهي لم تهتم، جلست على إحدى الأرائك القريبة منا، ووضعت رجلاً فوق الأخرى

وأسندت ذقنها على يدها المزينة بخاتم ضخم من الألماس

“هذه هي المرة الأولى التي أراكِ فيها يا…سمو:

وأردفت وهي تشير لإحدى الخادمتين اللتان دخلتا بعدها بأن تسكب لنا القهوة العربية

“أتودون شيء آخر؟ قهوة تركية؟ أمريكية؟ إيطالية؟ أي مشروب بارد؟:

قالت والدتي للخادمة وهي تحاول تمالك أعصابها

“كأس من الماء:

نظرت الخادمة بزوجة جدي وبعد أن هزت الأخيرة رأسها، انطلقت الخادمة لتحضر الماء

تابعت زوجة جدي” منيرة” حديثها وهي تبتسم

“اعذراني لأني لم أحضر مباشرة لاستقبالكما…:

وأردفت بخبث وهي تبتسم

“لو علمنا بزيارتكما….لنثرنا الزهور  ترحيبا باستقبالكما:

قالت والدتي وهي تحاول الحفاظ على نبرة صوتها

“آسفه يا عزيزتي منيرة…في الحقيقة لم تكن الظروف تسمح لي بالاتصال بك أو بوالدي:

وأردفت والدتي وهي تنظر ناحية الباب

“أين أبي؟..أتمنى أن لا يتأخر علي…فالأمر طارىء وأنا بحاجة له الآن:

أجابتها منيرة وهي ترشف قليلاً من فنجان القهوة الذي بيدها

“ًأخبرته بقدومكما منذ أكثر من ساعتين…لكن لا أعرف لم لم يأتي حتى الآن؟ تعرفين كيف هو والدك!! لا يحب الزيارات المفاجئة كثيرا:

نظرت إليّ والدتي بنظرة خاطفة، وابتسمت لمنيرة وهي تحاول أن تجعل ظهرها مستقيماً قدر الإمكان، فهي لم تنم منذ أكثر من 24 ساعة

ونحن نجلس هنا منذ أكثر من خمس ساعات

لم تتحدث منيرة بعدها وانشغلت بالعبث بهاتفها المحمول وهي تضحك كل خمس دقائق بغنج، بينما أحضرت لنا إحدى الخادمات كأس الماء ومسكن للصداع معها

مضت ساعة أخرى ببطء شديد ي ، لو كان بطء الوقت قادراً على القتل لقتلنا

استأذنت منيرة منا وهي تتمايل لتخرج من المجلس

تمددت والدتي بتعب على الأريكة وخلعت حذائها ذو الكعب المرتفع وضلت تمسد رأسها محاولة إيجاد قليل من الهدوء وطرد الأفكار المخيفة التي تخطر ببالها

نهضت من الأريكة وكدت أن أسقط على الأرض، لقد تصلبت ركبتاي بسبب الجلوس لوقت طويل دون حراك

لقد اعتدت على الجلوس مجاملة لساعات طويلة مع صديقات والدتي

ولكن ربما لأني لم آكل شيئا منذ أكثر من يوم، توجهت إلى دورة المياه

ذهبت إلى دورة المياه، وغسلت وجهي بالماء البارد، نظرت إلى المرآة، كان وجهي شاحباً، مشطت شعري مجدداً وتركته منسدلاً

يجب أن أبدو جميلة في جميع الأحوال، فأنا أنثى، أولاً وأخيراً

وضعت قليلاً من مرطب الشفاه، وقليلاً من الماسكرا، وجددت عطري

عدت إلى المجلس ولم أجلس بل مشيت من ركن لركن واقتربت من الستائر وفتحتها لأتأمل المزرعة الواسعة والنخيل ومختلف الأشجار تمتد على مرأى العين

لقد وضع جدي جزء كبير من ثروته في هذا المكان، يبدوا أنه لا يبخل على نفسه بشيء، بالطبع لم يكن هكذا من قبل

ولكن منيرة غيرت من طبعه كثيراً وجعلته يصرف ببذخ عليها وعلى ما تحب

توجهت إلى صورة جدي الضخمة، ووجدت مجموعة من الصور أسفلها في براويز مذهبة أنيقة

كانت لأبنائه وأحفاده وبعض أصدقائه، الابتسامة مرسومة على الوجوه لكن لا فرحة حقيقية خلفها

كأنهم يرتدون أقنعة رسمت عليها ابتسامة واسعة بلهاء

هكذا هو المجتمع…كتلة من النفاق لا أكثر

كنت سأستمر في أفكاري السوداوية ولكني سمعت صوت خطوات مسرعة قادمة

كانت الشمس تقارب على المغيب، لقد نجح جدي في إهانتنا منذ أن خطونا إلى ممتلكاته

ذهبت مسرعة إلى والدتي وحاولت إيقاظها ، تنبهت على صوتي ونهضت مسرعة ورتبت ملابسها المجعدة

وجلست مستقيمة الظهر وحاولت تمليس شعرها بأصابعها، وضعت لها قليلاً من العطر وناولتها بعض الحلوى

دخل جدي أخيراً إلى المجلس، نهضت والدتي بسرعة وضربتني بخفة لأنهض دون أن ينتبه جدي

ونهضت معها ولكني تركت رأسي مرفوعاً دون أن أنظر إلى جدي، شعرت بخوف والدتي التي جرت ناحية والدها

وأمسكت بيده الضخمة السمراء المليئة بالتجاعيد تنهال عليها بشتى قبلات الخنوع والإذلال

“قالت والدتي وهي تبكي: أرجوك أبي…لا يوجد لدي سواك…لا تتخلى عني…أنا بحاجتك

سحب جدي يده بقوة وابتعد ليجلس على أريكة في صدر المجلس يبدو أنه اعتاد الجلوس عليها

“قال وهو يمسح يده بقوة وكأنه يمسح قبلات والدتي : علمتي الآن أن كل ما كنت أقوله لك صحيح؟

انهارت والدتي وقالت وهي تحاول أن يكون صوتها واضحاً

“أحبه يا والدي…لم أستطع أن أتخلى عنه أو عن أبنائي…أعلم..مممم…أن هذا كان فعلاً غبياً مني…لكني لم أفكر حينها بأن الأمور ستنتهي بهذا الشكل:

أبعدت شعرها عن وجهها وجلست على الأرض بجانب والدها وقالت وهي تمسك يده وهو يسحب يده بقوة

“أنا الابنة العاقة التي ترجو سماحك وغفرانك…سامحني يا والدي…لقد أخطأت..ولكن…أنت والدي…لن تتخلى عني في مثل هذه الظروف؟؟:

مشاعر القهر اجتمعت داخل صدري، لم أستطع البكاء، ولم أستطع التحرك، بل ظللت واقفة كالصنم أستمع إلى حديثهما

الذي خيل لي أنه بلغة غير مفهومة، كيف لأب أن يكون بهذه القسوة؟ أين مشاعر الأبوة؟

لم أرى والدتي من قبل مهانة وذليلة بهذا الشكل، كانت تبكي بشدة وهي تقبل يده وهو يبعدها بقسوة دون أن ينظر في وجهها

قالت في محاولة أخيرة محاولة استعطافة وهي تلتقط أنفاسها

“أنت الكريم الذي يسامحني…وأنت الصدر الحنون الذي ألجأ إليه إذا تخلت عني السعادة…وأنت الوحيد الذي لا يمكن أن يهينني يا والدي:

كورت يدي بقوة وكدت أن أصرخ لكن عيني جدي التي التقتا بعيني جعلتني أتجمد في مكاني و أرخي يدي

“لمَ جلبت هذه؟:

نظرت لي والدتي برعب والتفتت على والدها

“كيف لي أن أتخلى عن ابنتي؟….بالتأكيد كنت سأجلبها معي…أبي…أنت لا ترضى أن أترك فتاة بعمرها لوحدها هناك:

زم شفتيه بشدة، لم أنظر في عينيه، بل نظرت إلى قدمي لأول مرة في حياتي

لأول مرة أخضع…للمرة الأولى أشعر بالذل…للمرة الأولى أشعر وكأني بذلت جهداً عظيماً فقط لأنظر لقدمي ولا أنظر في عينيه الشرستين

قال جدي وهو يقف

أنا لم أسامحك…ولن أسامحك أبداً…إذ كنت قد سمحت لك بالمكوث في هذا المنزل…:

فليس لأنني قد غفرت لك تهورك…بل لأنني رجل يخاف على سمعته…ولا يريد أن تنتشر عنه الشائعات

“التي قد تؤثر على باقي إخوتك وباقي أحفادي…

ظلت والدتي على الأرض تنظر إليه وكأنها طفلة صغيرة خائفة

في حين أردف جدي وهو لا ينظر إلي

بإمكانك تناول الطعام معنا…لكن…ابنة ذلك الرجل…لا أرغب في رؤيتها بمنزلي…بإمكانها أن تسكن في الملحق…ولا يحق لها:

“تناول الوجبات معنا…وغير مسموح بها في أي اجتماع للعائلة هنا

وختم كلامه وهو يوجه نظراته إلي بازدراء

“بذور ذلك الرجل الفاسد…لابد أن تكون مثله…وأنا لا أريد لأمثالها أن تفسد حفيداتي وبقية الفتيات في العائلة..كما أنني أتذكر وجهه القبيح عند رؤيتها:

وخرج من المجلس بعد أن أخبر والدتي أن حجرتها جاهزة لاستقبالها

***

برودة الهواء لم تساعد على تبريد النار التي تشتعل في صدري

تلقيت الإهانات واضطررت للخضوع حتى لا أغضب والدتي وحتى لا يطردني ذلك المسن من منزله

درت كالمجنونة في الملحق الذي وضعوني به، عبارة عن كوخ صغير بحمام وحجرة نوم ومطبخ صغير جداً

يبدو أنه لأحد الخدم أو لسائس الخيل أو للحارس لا أعرف حقيقة ولا يهمني الأمر

لكن لم يضعني في مكان كهذا؟ أنا حفيدته…حتى لو كان يكره والدي…فدماؤه أيضاً تجري في عروقي :”(

أي قلب يملك؟

لم تأتي والدتي لرؤيتي، يبدو أنها تناولت عشاءها وخلدت للنوم ولا ألومها

صندوق خشبي كبير جلبته معي و حقائب ملابسي مترامية على الأرض الخشبية دون ترتيب

لم تمض أكثر من نصف ساعة حتى

سمعت طرقات هادئة على الباب، ففتحت الباب بفضول

دخلت خادمتان وهما يحملان مفرشاً أبيض اللون جديد وبعض الوسادات المغلفة الجديدة

ودخلت خادمة أخرى بعدهما وهي تحمل صينية العشاء، وضعتها على درج صغير في الركن

ثم خرجوا جميعاً بعد أن عملوا بسرعة شديدة في تنظيف المكان ووضع المفرش الجديد على سريري وإشعال بعض الشموع المعطرة ووضع حقائبي جانباً

رميت بنفسي على السرير بإنهاك…أريد فقط أن أنام….هذا ما أطلبه من الله في هذا الوقت

أمسكت بهاتفي الخليوي قبل أن أخلد للنوم، وعاودت الاتصال بوالدي، ولكن هاتفه ما زال مغلقاً 😦

***

لم تجد السلطات أبي بعد

مضى أكثر من أسبوع والبحث ما زال جارياً

يبدو وكأنه اختفى من على وجه الأرض

لكني أعرف جيداً أن الأمر لن يطول…سيجدون أبي في فترة وجيزة

لا يمكن أن يجد مكاناً آخر يؤويه

فأبي لطالما كان وحيداً واعتمد على ذاته ولم يكن له الكثير من الأصدقاء

كما أن له العديد والعديد من الأعداء…الذين سيحاولون النيل منه وقد أتتهم الفرصة المثالية لذلك

يقولون أن خطأ الشاطر بألف، ولكن خطأ أبي بمليار

كيف حاله يا ترى؟ هل يأكل؟ هل يشرب؟ هل ينام جيداً؟ هل يغطي جسده عندما ينام؟

بماذا يشعر؟ هل تخنقه مشاعره؟ هل يقتله الخوف؟ هل ينهكه تأنيب الضمير؟

كيف حالك….أبي؟

هذا هو السؤال الوحيد الذي أتمنى سماع إجابته من والدي

أمسكت بهاتفي الخليوي للمرة المائة بعد المليون

“الرائع”

ما زال مغلقاً :”(

عامر في القصر، بما أنه لم يصدر أي أمر من المحكمة بشأن ممتلكاتنا ولكن

عامر يقول أن الأمر لن يطول كثيراً ولابد أن كل مملكاتنا ستصادر ولن يبقى منها شيء

لا أفهم كثيراً التهمة الموجهة لوالدي…تبييض الأموال

قرأت عنها بالأمس وبحثت عن غسيل الأموال كثيراً وكل ما قرأت أكثر كل ما تألمت أكثر وغضبت أكثر وشعرت بالحيرة بشكل أكبر

لا يمكن أن يكون والدي مجرماً ولا يمكن أن يستخدم أساليب مالية قذرة ليخبأ عمله الحقيقي

وكاد قلبي أن يتوقف عندما وصلت لحقيقة أن المحكمة قد تصدر أمراً قضائياً في والدي وقد تصل مدة سجنه إلى 10 سنوات

مع غرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال وقد تزيد وتصل إلى عشرة ملايين ، إضافة إلى مصادرة جميع ممتلكاته

اتصلت على بعض المحامين ولكني لم أستطع أن أفهم التعبيرات القانونية التي استخدموها وهم يشرحون العقوبة لي بالتفصيل

وتمنيت لو أستطيع رؤيتهم شخصياً ولكن لا مجال لخروجي من هذا المكان

زار عامر والدتي عدة مرات ولكنه كان يتخير الأوقات التي يعلم بخروج جدي فيها

بدا أنحل من المعتاد وكأنه لا يأكل، ولكن ما زال عامر الذي يثير غضبي

غير مهتم بشكله، لا مبالي بصحته، يدخن بشراهة طيلة الوقت ومازال يكتب الشعر بكثرة ويقول لوالدتي إنه لا يكاد يتوقف عن الكتابة

وعندما أتى لرؤيتي، نظر لي بقسوة، وظننت أنه سيشمت بي وسيكون عدوي اللدود قبل الجميع

لكنه داعب شعري بحنان ثم وضع يديه على كتفي وضغط عليهما بقوة : اهتمي بصحتك وبنفسك….وكوني قوية دائماً وأبداً

لا تخضعي للظروف بل أخضعيها لك…كوني كما أحب والدي أن تكوني

وقبل رأس والدتي وابتسم لي نصف ابتسامة

….ورحل

***

لطالما كنت أفاخر بالوتيرة التي تسير فيها حياتي

لم يكن القدر يحمل لي إلا المفاجآت السارة

ولم تكن الحياة تجود علي بأي شيء بل كانت تجود علي بالأفضل دائماً

لم أكن افهم كيف للناس أن تطالب بالمسواة وأن تطالب بالمال والثروات وأن يشتكوا من الفقر

كنت أرى أن لا حق لهم بهذا…فالله هو من قسم وعطى…وعليهم أن لا يطلبوا بما ليس لهم

نعم…أنا أنانية….علمتني الحياة أن أكون هكذا

منحني الله كل شيء…الجمال…

المال….

الصحة…

العائلة….

وكل رغباتي أوامر

لم أفكر بشيء من قبل إلا ووجدته عند بابي في اليوم التالي…لم أتمنى شيء إلا وتحقق لي

لم أبدي رأيي بشيء إلا وانصاع الجميع سامعين طائعين له

والآن؟

ما الذي حدث؟

لم تغير قدري فجأة؟

لم صفعتني الحياة بقسوة ودون سابق إنذار؟

هل هذا هو اختبار الله لي؟ هل صبري عليه سينجيني من هذا الجحيم؟

هل هي لحظات بسيطة وستنقضي سريعاً!! أم هي سنون عجاف طويلة؟

تداهمني الأسئلة مرفقة بمختلف الكوابيس في صحوتي ومنامي

وابحث في عقلي وفي روحي وفي أوقات فراغي الطويلة عن اجابة تنقذني من هذا الضياع الروحي والفكري

***

استيقظت على زقزقة العصافير عند نافذتي، فتحت عيني بكسل، لم أرغب في الاستيقاظ

فلم استيقظ؟ مضى أسبوعان منذ أن وصلنا إلى  منزل جدي

وبدأت إجازة عيد الأضحى

لم أذهب إلى الجامعه في الفترة الأخيرة، فلا رغبة لي برؤية الفتيات

كما أنه لا جديد عن والدي

وكأن البحار قد ابتلعته، فلا أحد يعرف مكانه

تقلبت في سريري قليلاً، كان السرير قاسياً وليس كما اعتدته

آلمني ظهري كثيراً….متى أخرج من هنا؟

نهضت من فراشي وسرت حافية القدمين على الأرض الخشبية

بدأ الجو يبرد وبدأ الشتاء بالتمهيد لزيارته

كلا….لا أحب الشتاء….لا أريده….فصل القسوة والجمود

تدثرت بالفراش الناعم، لا أشعر برغبة في النهوض أو التحرك من مكاني

أشعر بخمول شديد في كل جزء من جسدي، ولا أشعر برغبة لا في الحديث مع أحد ولا في النظر بوجه أحدهم

أنام ثم أستيقظ قليلاً…آكل قليلاً ثم أعاود النوم…لأنني لا أجد في الاستيقاظ شيئاً

سمعت صوت صهيل الخيل، تحركت بتملل على السرير، ثم نهضت ببطء لأرى من الذي يمتطي الحصان

منيرة في بعض الأحيان تمتطيه والسائس يمسك به لأنها تخاف أن تكون لوحدها

جدي لا أراه كثيراً لأنه يخرج أو يجلس مع بعض الرجال في مكان بعيد في المرزعة

أمي تقول لي أن هناك الكثير من الفرص السانحة للخروج والتنزه

لكن الأمر لا يتعلق بجدي…الأمر يتعلق بي…لا أشعر برغبة في الخروج من هنا….

أشعر وكأني أود أن أقضي حياتي بكاملها في هذا الملحق دون الخروج أو رؤية الآخرين

لو يأتي أبي فقط…:(

رأيت شاباً شديد الوسامة يمتطي حصاناً أسوداً ضخماً، من الواضح أنه فارس ماهر

أزحت الستائر أكثر لأتمكن من رؤيته بشكل واضح، أشعر وكأنني رأيت هذا الشاب من قبل

أين رأيته؟ حاولت أن أتذكر بشكل سريع كل من عرفت من الرجال من عائلتي أو الصور التي رأيتها

هنا أو هناك….ثم رفعت حاجبي وأنا أهز رأسي…آه…إنه صديق عامر

!!ثم قطبت حاجبي باستنكار…كنت اعتقد أن عامر لا يحب مصاحبة الأقارب

توقف فجأة ونزل من حصانه، وذهب يمشي مسرعاً باتجاه شخص ما، حاولت رؤية الشخص الذي يتجه إليه

وزميت شفتي باستغراب وأنا أراه يبتسم لمنيرة التي كانت ترتدي فستاناً أنيقاً وأقراط ماسية ضخمة

لم يبدو سعيداً لرؤية منيرة؟  ما الذي يحدث هنا؟ هل هو حقاً شخص من العائلة؟

لم يبدو في غاية السعادة وهو يبتسم لمنيرة؟ شعرت بألمٍ في صدري…هل تخون جدي؟

وما بين التساؤلات التي تدور بين عقلي وقلبي….ومئات التكهنات التي بدأ عقلي يرسمها بنشاط ويصورها بمختلف الأشكال…

وكل صنوف العشق الممنوع خطرت في بالي وشعرت بالرعب..من فكرة الخيانة حتى لو كانت لشخص شديد السوء مثل جدي

ولكني..لم أكتشف شيئاً مهماً….بل شيئاً شديد الأهمية….يفوق قضية منيرة والشاب الوسيم جداً وجدي المسن المراهق

وهو أني كإنسان…بل كمخلوق هيئه الله ليعيش فوق هذا الأرض…بدأت أتكيف….والتكيف ليس شيئاً طيباً في حالتي..

..لقد بدأت أعتاد على هذه المعيشة…أو أن عقلي بدأ باستراتيجية مريعة ليجبرني على التماسك

وهذه ليست بالأخبار الســــ….ــــارة…..حقيقة 😦

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s