الفصل الثالث – جسد بلا روح

10:

وماذا بعد؟ هل أفتح عيني أم أستمر في إغلاقهما؟

وإذا فتحتهما…وإذا كان الكابوس واقعاً؟ لا يمكن أن يكون واقعاً

..محال…محال أن يحدث ما يلمح له أخي وأمي…محال أن ننتقل من الثراء إلى الفقر بغمضة عين

هذا من الممكن أن يحدث لأي شخص…لكنه لن يحدث لنا

ربما فهما الأمر بشكل خاطىء…لم أنا خائفة؟ همممم…لم أشعر بالرعب؟ لم أشعر وكأن كل العالم يراقبني مبتسماً بسخرية؟

فتحت عيناي ببطء شديد ثم عدت لإغلاقهما بسرعة، ما الذي يحدث؟ ربااااه…ما الذي يحدث؟

لم تصرخ والدتي على أخي؟ لم تستمر في جمع مجوهراتها؟

لم تتحرك بلا هدف وبخوف وعيناها تذرفان الدموع وتشد شعرها كالمجنونة وتخبط وجهها وكأن مصيبة قد حلت

لم يضرب أخي جبهته بتوتر ويجلس على طرف السرير وكأنه سيسقط على الأرض؟ لم عيناه مليئتان بالدموع؟ لم يبدو غاضباً وخجلاً وكأن العار يلاحقه

صرخت وأنا أدور في الحجرة دون وعي

أين أبي؟ أين أبي؟ همممم…لم لا تجيباني؟ همممم…أين أبي؟:

 اقتربت مني والدتي وهي ترتجف وتبكي وتلتقط أنفاسها وتمسح على شعري بنعومة

عزيزتي…هذا ليس الوقت المناسب…سيتم القبض على والدك…كما أننا فقدنا كل شيء…كل هذا المنزل…كل أموالنا…هذا ليس وقت النواح والبكاء…علينا أن نتصرف بسرعة:

اذهبي واجمعي مجوهراتك الثمينة وخذي بعض الملابس…سنذهب لمنزل جدك

ضممت نفسي رافضة فكرة التحرك، أين والدي؟ يجب أن نأخذه معنا…كيف نذهب من دونه؟ كيف نرحل لوحدنا…ثم…ثم…ثم…لا يمكن أن يكون والدي قد خسر ماله

تلك الأموال الكثيرة…هذا القصر…امممم كل شيء….السيارات…المجوهرات…حياتي….الشركات…كل تلك الأموال…لا يمكن أن يخسرها شخص في يوم وليلة….لا يعقل أن يحدث هذا

ذهبت مسرعة إلى حجرتي، وأخذت الهاتف المحمول بيدي، اخترت رقم والدي، ” الرائع” هذا ما سميته، نظرت إلى اسمه المستعار في شاشة الهاتف، زممت شفتي بشدة،

وجلست على سريري، كنت أرتعش، لا يمكن أن يكون حدث شيء، أعني….أبي…ذكي جداً…لا أصدق ما تقوله والدتي…لا أفهم لم عامر يبكي…أنا لن أهجر والدي…لن أفقد الثقة به…هو كل شيء بالنسبة لي…هو….

…هو…

هو الذي منحني كل شيء….هو من حقق أحلامي….باعها لي مقابل ابتسامة…مقابل قبلة على رأسه….مقابل كلمة طيبة….

استجمعت كل شجاعتي…واتصلت به…الهاتف يرن ثم يرن…يا إلهي…أشعر وكأن كل ثانية وكأنها الدهر…لم لا يرد على هاتفه؟…عدت أتصل به كالمجنونة….لم يرد…ثم أغلق الهاتف في وجهي…عدت أتصل للمرة الثالثة….ولكنه أغلق هاتفه…

“….عزيزي المتصل إن الجوال المطلوب مغلق”

عدت لسريري وتدثرت بفراشي، أشعر بالبرد الشديد، الجو بارد بشكل غريب، أنا لست بخير…لست بخير

أشعر وكأن ريحاً قوية تعصف بي وتهاجمني وتجردني من مشاعر الأمان التي كنت حتى الأمس القريب أشعر بها

كلا…كلا لايمكن أن أجعل كل هذه الطاقة السلبية تؤثر علي…كل شيء سيكون على ما يرام…

كل شيء على ما يرام…أنا أثق في والدي…وأثق بذكاءه وحنكته

سأتجاهل الوضع…سأنام…أنا بخير…وأبي بخير…والعالم كله بخير

 ظللت لدقائق طويلة أهتز في فراشي وأشده بقوة ناحية صدري وأغمض عيناي بقوة ومطبقة شفتي بقوة أكبر

صور كثيرة تعبر رأسي بسرعة الضوء…كشريط يمر من أمام عينيك

..ذكريات عديدة أتذكرها وكأنها الأمس القريب…حتى الروائح والملمس والضجيج…كل هذه الذكريات تعود بي في الزمن

أسمع صوتي بحروف مبعثرة ولهجة ركيكة وهو ينادي

أبيييي…أبيييي…أبيييي:

 يلتفت إليّ بمودة ويربت على رأسي ويداعب شعري الغزير وهو يعمل في مكتبه ومشغول بأوراقه الكثيرة

ماذا يا حلوتي؟:

أبتسم ببراءة وأرفع كتفي ببراءة

لا شيييييييييييء…..:

ثم أعود بشقاوة

….أبيييييي….أبيييييييي….أبييييييي:

يبتسم مجدداً ويترك أوراقه ويجلس على الأرض ليصل إلى طولي

 ماذا يا حلوتي؟ماذا يا شقية؟ ماذا يا مصدر الإزعاج في هذا الكون؟:

 أعود وأهز رأسي بقوة ليتطاير شعري وأنا أبتسم بشقاوة وأصرخ بأذنه

لا شيييييييييييء…..:

ليضمني بقوة ويرفعني عالياً…أكاد ألآمس الثريات…أكاد أقتطف النجوم….أشعر بمشاعر لا يمكن وصفها بمجرد بضعة كلمات

كانت الكلمة الأولى التي تعلمتها (أبي)…كنت أشعر بسعادة غامرة إذا ناديته…مشاعر عديدة تغمرني عند مناداته

أبي….أحب مناداتك….أحب أحرف اسمك….أحب ردودك علي

رغم صغر سني حينذاك…إلا أن مشاعري اتجاه أبي كانت عظيمة عظيمة….كنت أشعر بفخر شديد اتجاهه وكبرت وكبر هذا الفخر معي

ذكرى أخرى تومض بقوة في رأسي

وأنا أمد له شهادة الموهوبين في بريطانيا

أبي….لقد تم تكريمي مع الموهوبين…كنت العربية الوحيدة بينهم:

كنت في الصف الرابع الابتدائي، ابتسم أبي بفرح وهو يضمني

حقاً؟؟؟…حقاً؟؟؟؟….أنا فخور بابنتي….يحق لي أن اكون فخوراً بك:

ثم يسألني وهو يجلسني على فخذه

ما الهدية التي تريدينها؟:

وأرد عليه بفخر

لا أحتاج إلى هدية….أبي…تشجيعك لي…وابتسامتك هي أكبر هدية أتلقاها:

لم أكن أكذب…لم أكن أجامله….كان هو هدية الله لي….كل حوار معه….كل حدث معه….كل لحظة قضيتها معه

تهاجمني بقسوة….أسمع صدى حواراتي معه….في مراحل مختلفة من عمري….

مؤلم….مؤلم….مؤلم

نهضت من سريري وأنا أتعثر…والتقطت صورة أبي…مسحت عليها وعيناي تلمعان بالدموع….

هناك الكثير من الأصوات والحركة في القصر…ما الذي تفعله أمي؟لم تتصرف هكذا…؟

ضممت صورته بقوة، قبلتها كثيراً، فتح الباب فجأة ودخل عامر ووقف ينظر إلي وأنا أبكي وأضم صورة أبي

نظر في أنحاء الغرفة، وعاد ينظر إلي، قلت له بعصبية

اخرج من هنا….اخرجوا جميعاً…سأظل هنا…لن أغادر..سأنتظر والدي…اخرجوووووا…لا أود رؤيتكم الآآآآآن:

لم يتكلم معي، دخل غرفة ملابسي، وأخرج العباءة السوداء التي شعرت وكأنها تخنقني وتطوقني من بعيد،

يريدني أن أخرج من هنا؟هل سيجبرني على الرحيل؟

قال وهو لا ينظر في وجهي وقد تماسك وبدا صلباً : عليكِ الذهاب مع والدتي الآن، لن يستقبلني جدي، ولكنه ربما سيستقبلك لأنك فتاة

سأظل هنا حتى أعرف ما الذي سيحصل مستقبلاً

وأكمل بازدراء: كل تلك الأموال….لطالما تساءلت كيف لأبي أن يحصل عليها؟…فتجارته عادية ولا يمكن أن تدخل عليه هذه المكاسب الفلكية

“غسيل أموال…غسيل أموال….

:ثم هز رأسه وهو ينظر إلي بعينان قاسيتان متسعتان مليئتان بالاتهام

“….أهذا أبي الذي تفاخرين به؟”

وقفت مذهولة في مكاني

غسـ…..غسيل…أموال؟

 ماذا يقول؟ أشعر برغبة في الضحك

هل جن؟ هل فقد عقله؟ هل يتكلم وهو يعي ما يقول؟

غسيل أموال؟ ما هذا الهراء

غسيل أموال…..هراء

غسيل أموال………..مجرد هراء

فلا يمكن لوالدي أن يلجأ لهذا، ثروته ورثها من والده، كل أمواله حلال، لا يمكن أن يفعل شيئاً دنيئاً كهذا

هو يحب الوطن ومخلص لوطنه

هو شخص مجد وأمين في عمله

هو أب رائع

هو شخص ذكي ويترفع عن سفاسف الأمور

لم يخطىء من قبل….لم يقم بشيء غبي من قبل

فكيف لعامر أن يتهمه بتهمة بشعة كهذه؟

قال عامر بانفعال: تحركي بسرعة…بالتأكيد ستتم مصادرة كل هذه الأموال…لن يتبقى شيئ لنا هنا…لم يتبقى لك شيء في هذا المكان

“خذي كل ما لايقدر بثمن من ذكريات وارحلي مع والدتي

وخرج من الحجرة بعد أن رمى بعبائتي على السرير

سقطت على الأرض، شعرت بهلع شديد، لم أستطع الحراك

نظرت إلى صورة والدي مجدداً، أهذا صحيح؟

صرخت: أهذا صحييييييييييييييح؟

لم أستطع البكاء ولا ذرف دمعة واحدة: هذا كذب….أعلم أنه كذب…أعلم أنهم يكرهونك…أعلم أنها مكيدة….أنت بريء…أنا أكيدة

رفعت رأسي عالياً: ياربي….يا ذا الجلال والإكرام….لا تحرمني من والدي…إن كان هذا كابوساً اجعلني استيقظ…وإن كان حقيقة لا مفر منها…فخذ روحي لديك

…..لقد تحطم قلبي إلى مليون قطعة ويجاهد ليتماسك في صدري…روحي

هربت بعيداً….وبقيت جسداً بلا روح

***

الساعة 7:44

في الطريق إلى منزل جدي، لا أصدق هذا، لا أصدق أني ذاهبة إلى منزل ذلك الرجل

ذلك الرجل الذي يكره والدي، الذي رفض مراراً مصافحة والدي أمام الكثير من الناس، الذي أعلم جيداً أنه يكرهني ويكره أخي

لا أصدق أن أمي تجبرني على المجيء معها، هي تطقطق أصابعها بتوتر، وتزم شفتيها وتفرك صدغيها ثم تعود لتنظر في وجهي لثواني وتصد عني

 لتلقي نظرة من النافذة على السيارات المزدحمة والطريق الطويل الطويل الذي للوهلة الأولى يبدو ممتداً بلا نهاية

لا أعرف كيف أصف مشاعري في الحقيقة، فأنا أشعر وكأن قلبي متوقف عن النبض، وكأن عيني جفتا من الدموع ورفضتا ذرف دمعة واحدة

وكأنني في غيبوبة…نعم غيبوبة هذا هو الوصف الأفضل لفتاة في مثل حالتي

فذهني مشتت…لا أعرف هل أحزن على حالي؟ أم أفكر في والدي؟ أم أخشى مما سيحدث بعد قليل في منزل جدي؟

هذه هي المرة الأولى التي يتوقف عقلي فيها عن إرسال الإشارات لباقي جسدي لمدة ثواني…ثم يبدأ بعدها بإرسال الكثير من الإشارات

المبهمة والتي تزيدني بروداً وخوفاً

أردت التحدث مع والدتي، لكن من الواضح أنها لا تود التحدث عن أي شيء، فكل تفكيرها منصب في إيجاد الكلمات المناسبة لتجعل والدها

يوافق على مكوثنا في منزله، فوالدها العصامي المتجبر المتكبر بالتأكيد سيرفض إيوائي وربما يرفض أن تدخل حتى ابنته المنزل

لطالما تشاجرت معه والدتي، ولطالما طلب منها أن تهجر والدي وتطلب الطلاق، وفي آخر مرة قبل أربع سنوات عندما رفضت رفضاً قاطعاً

وهددته بالمقاطعة، طردها من المنزل قائلاً أنه لا يفخر بابنة مثلها تفضل زوجها على أبيها

المشكلة بين أبي وجدي بعيدة بعيدة، وهي مشكلة كبيرة ولا يمكن حلها في يوم وليلة، فجدي يرى أبي رجلاً حقيراً سافلاً لا يستحق ابنته

وأبي يرى جدي رجلاً متخلفاً متحجراً معقداً لا يستحق شيئاً من الدنيا

وفي غمرة هذا الخلاف العظيم بينهما والاتهامات المتبادلة، يرفض جدي أن يراني أو يرى عامر فنحن أولاد ذلك الرجل الذي لا يطيقه

أعتقد أن جدي سيوافق على عودة والدتي لمنزله، لكني لا أعلم كيف سيتصرف عند رؤيتي

فجدي رجل قاسٍ، لا يعرف المسامحة، ما زلت أذكر  حادثة بيني وبينه

كان عيد الفطر السعيد، وكنت في العاشرة من عمري، ارتديت أجمل الملابس، وذهبت برفقة والدتي إلى منزل جدي

في مثل هذه المناسبات، يجتمع كل أقارب والدتي عند جدي فهو أكبر رجل في العائلة على قيد الحياة، كما أنهم متلاحمون ومترابطون بشكل غريب

كنت سعيدة جداً، فقد ارتديت الفستان الأبيض الواسع ذو الطبقات الكثيرة وجعلتني أمي أسرح شعري كما أحب ليتطاير مع الهواء

الجميع كان يبتسم لي عندما يرآني مع والدي وقد تلقيت الكثير من الهدايا

لكن جدي….بكل بساطة…جمعنا جميعاً لديه…ربما كان عددنا حوالي الخمسة عشر

وبدأ بتوزيع مبلغ مال مغري لنا كأطفال، انتهى من الأولاد وبدأ بالبنات، كنت أقف قريبة منه أنتظر منه العيدية

لكنه لم يلتفت إلي ولم يهتم بعيني اللامعتان بحماس وإثارة، وبعد أن انتهى نهض من المجلس وخرج دون أن يلتفت لي

ربما ستتهموني بالسخف وقلة العقل للغضب من موقف صغير كهذا

لكن هذا الموقف هو واحد من عشرات المواقف الأخرى، حتى توقفت تماماً عن زيارته

فعلاقتي ليست طيبة لا معه ولا مع باقي أفراد العائلة، فكلهم يتصرفون بذات الطريقة

عائلة والدتي تختلف تماماً عن عائلة والدي

ففي عائلة أبي، كل شخص يمتلك الحرية الكاملة في تصرفاته دون العودة للآخرين

يحترمون خصوصيات الآخرين، لا يحبون التدخل ببعضهم البعض، لا يلتقون إلا نادراً وفي الأعياد مدة خمس دقائق كل سنة

يهتمون كثيراً بالمظاهر الاجتماعية، وإذا حدثت مشكلة أو فضيحة لأحدهم يبتعدون عنه مباشرة حتى لا يؤثر الأمر على سمعتهم

أما عائلة والدتي، فهي النقيض

يحبون التدخل في خصوصيات الآخرين، يفرضون أوامرهم على بعضهم البعض، يزوجون بناتهم من أولادهم

“إذا حدثت مشكلة لأحدهم، يهرعون جميعاً إلى نجدته ويؤمنون بمقولة “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً

لا يهتمون كثيراً بالمظاهر الاجتماعية رغم وفرة الأموال معهم، ومتحفظون بشكل أكبر، وفي رأيي الخاص

هم زمرة من المتحجرين والمتخلفين لا أكثر ولا أعرف لما يفخرون بأنفسهم؟

انقطع حبل أفكاري عندما بدأت السيارة تسلك طريقاً ترابياً

وتتخبط في مسيرتها كتخبط أفكارنا في هذه اللحظة

ذعر…تردد…تخبط….خوف…يأس…وكثير من المشاعر بدأت تطفو لتتضح على ملامحي

شعرت بالندم الشديد، والتفت على والدتي لأتكلم

لكنها هزت رأسها بيأس

“ًلا يمكننا أن نهرب الآن…إذا لم نأتي إليه في مثل هذه اللحظات…فلن يستقبلنا لاحقا..:

ثم أردفت وهي تضغط على يدي بقوة

“ًأنا أيضا خائفة…لكني أعرف شخصية والدي جيداً…لو تأخرت عن المجيء إليه لدقيقة أخرى…فسيرفض إيوائي…وسيتخلى عني مجددا:

توقفت سيارتنا عند البوابة الخشبية الضخمة، وبدت ثوان الانتظار سريعة جداً وكأنها تلاحق أمراً مهماً حتى أنها لا تستغرق ذات الوقت الذي تستغرقة دوماً

ما الذي سيحصل؟ ما الذي ينتظرنا خلف هذه الأبواب؟ أين أنت يا أبي؟

مئات الأسئلة تتدافع في ذهني حتى لم تعد هناك مساحة كافية لأتمكن من التفكير

وهل أحتاج إلى…………………….التفكير؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s