الفصل الثاني- لا شيء يبقى على حاله

بعد شهر

رائحة العود والأزهار تملؤ المكان

الجميع بدى في غاية الأناقة، المجوهرات تتلألأ حول أعناق السيدات

والأحجار الكريمة الضخمة تزين أصابعهن

ورائحة العطور الفرنسية الثقيلة تتغلغل داخل أنفك

توقفت أنا ووالدتي لدى المرايا في المدخل

ارتديت فستاناً أحمر اللون يلتف بنعومة حول جسدي ويصل إلى ركبتي

بينما تألقت والدتي بفستان بني اللون، وعقد فخم تزينه أحجار الفيروز والألماس

ذهبت والدتي عندما رأت بعض صديقاتها، بينما اقتربت مني شقيقة ديمة الكبرى وتحدثت معي قليلاً وهي تكاد تتمزق من السعادة

ثم اقتادتني إلى حجرة ديمة، آه…لحظة…نسيت أن أذكر أن هذه حفلة عقد قرآن ديمة صديقتي

من رجل أعمال محترم من الكويت…تعرفت عليه في جنيف خلال عطلة الصيف

وصلت إلى حجرة ديمة وشكرت شقيقتها وأنا أطرق الباب

فتحت الباب عندما سمعت صوتها، وجدت صديقاتي جميعاً يجلسن في الداخل

يبدو أنهن اجتمعن هنا منذ الأمس، لم تطلب مني الحضور، لا يهمني

حتى لو فعلت، لم أكن سآتي بأي حال

لا أعرف لماذا يكرهنني، أعني أعلم أنهن يغرن مني، لكن تصرفاتهن أصبحت تثير أعصابي في الفترة الأخيرة

قالت هيا بامتعاض: اغلقي الباب خلفك بسرعة…أود ارتداء فستاني

أغلقت الباب وذهبت لأبارك لديمة، طبعت قبله على خدها ولكنها ابتعدت بسرعة عني

لم أهتم، لقد اعتدت على تفاهات الناس، أنا أسمو دوماً فوق هذه التفاهات ولا أهتم لمثل هذا القصور

اقتربت من السرير لأجلس عليه مثل البقية،  لكنهن لم يفسحن لي

ابتعدي قليلاً خلود…أود الجلوس:

نظرت إليّ خلود من الأعلى حتى الأسفل: يمكنك الجلوس على الأريكة، ليس من الضروري أن تجلسي على السرير

ظللت واقفة أتأمل ديمة التي كانت تكاد تتمزق من السعادة، بفستانها الأصغر وتسريحتها الفرنسية المرفوعة وزينتها الخفيفة

كانت تبدو أجمل من المعتاد، ويبدو أن من قام بوضع المكياج لها كان فناناً

أيضاً باقي الفتيات بدون أجمل من المعتاد، ولكني الأجمل بلا منازع

كنّ يمزحن وكأني لست موجودة، ولم يلتفتن لي أبداً، لم أعتد على كل هذا التجاهل

ففي العادة نتبادل بضعة كلمات ونمزح قليلاً، حتى لو سخروا مني، كنّ على الأقل ينظرن في وجهي ويتحدثن معي

ما الذي حدث بين الأمس واليوم؟

لقد لاحظت أن تصرفاتهن بدت تختلف معي منذ عدة أسابيع

اعتذرت منهن ونزلت للطابق السفلي حيث بقية الضيوف، لأجلس بجانب والدتي التي كانت تجلس مع امرأتين فقط على غير العادة

حتى أنها لم تكن تتحدث معهن بل كانت تشرب القهوة العربية وهي تنظر لهاتفها المحمول

مضى الوقت ببطء شديد وكأنه سلحفاة

أو ربما شعرنا ببطئه لأننا لم نشعر بالمتعة؟

عند الساعة الثانية صباحاً، أطفئت الأضواء، وصدحت الموسيقى الصاخبة ليصمت جميع المتواجدين

دخلت ديمة ترافق زوجها بفخر

ثم بدأ يلبسها عقداً ألماسياً فخماً

اقتربت أمي مني: يبدو العقد رائعاً…وديمة تبدو في غاية الجمال الليلة

ثم أكملت: تلك الفتاة كوالدتها وشقيقتها….يجدن اختيار أزواجهن…فانظري للرجل….هو وسيم ويبدو أنه مولع بحبها

قلت لوالدتي بابتسامة بصوت خافت: العقد ضخم لا أكثر…لا أجده جميلاً…كما أن الزوج طويلٌ جداً…انظري كيف تبدو ديمه بجانبه؟

ردت والدتي وهي ترفع حاجباً: تحسين نسل

لم تبدو والدتي على عادتها رغم أنها كانت تضحك وتتحدث معي ، لكن يبدو بأن شيئاً ما يحدث دون علمي

!!!شيئاً ما يحدث والجميع يعلم به….ولكني مازلت أجلهه

***

أمي…هناك شيء ما يحدث…أشعر به…لمَ لا تخبريني بالأمر؟-

ردت والدتي ببساطة ونحن في السيارة متجهين إلى القصر

 يا طفلتي العزيزة…لا أعرف لم تصرين على هذا؟ لا يوجد شيء يستحق أن تشعري بالقلق اتجاهه:

ثم أردفت وهي تنظر إليّ بجدية

هل حدث شيء بينك وبين صديقاتك؟ هل قلن لك شيء؟ هل أغضبنك؟:

رددت منكرة: كلا، لم يحدث شيء، لكـــــن…..أنا

وصمت، وضعت والدتي يدها فوق يدي وهي تقول : لا تقلقي عزيزتي، كل الأمور بخير، لو كان هناك شيء ما لأخبرتك

وصلنا القصر وذهبت كل واحدة إلى حجرتها، وفي طريقي إلى حجرتي

وجدت أبي مستلقي على الأريكة في صالون الطابق الثاني

اقتربت منه ببطء، كان يبدو مجهداً، وبدى فجأة أكبر سناً، هناك تجاعيد كثيرة تحيط بعينيه وبشفتيه،

قطب حاجبيه بقوة وتمتم ببضعة كلمات لم أستطع سماعها، حاولت إيقاظه

أبي….أبي…..أبي:

تحرك في مكانه قليلاً وارتاحت ملامحه، عدت إلى مناداته

وفتح عينيه أخيراً : سمو!!!…ماذا؟

ونظر حوله لينتبه أنه ليس في حجرة النوم، قلت له وأنا أساعده على الوقوف

اذهب ونم في حجرتك….تصبح على خير:

ابتسم لي وعبث بشعري قليلاً

كيف كان عقد القران؟:

رددت وأنا أكذب كعادتي

جميل….كل شيء كان رائعاً:

عاد للابتسام بحزن

سعيد لأنكِ مازلتِ تحتفظين بصديقات الطفولة….هم الأصدقاء الذين لن يخذلوكِ أبداً:

ثم أكمل وهو يحاول أن يكون مرحاً

تصبحين على خير يا صغيرتي…عليكِ النوم مبكراً حتى لا تظهر التجاعيد على بشرتك:

وذهب لحجرته،وقفت في مكاني لدقائق لا أعرف عددها، أشعر بانقباض شديد

قلبي يخبرني أن هناك شيء ما سيحدث قريباً، أخبار كبيرة ستغير حياتنا، إما أن توصلنا السماء وإما أن تضعنا أسفل سافلين

شعرت برعشة برد مختلطة بالخوف، وقررت النوم، النوم صديقي الوحيد

المنقذ لي من كل المخاوف، المنقذ لي من كل الأحزان، المنقذ لي من الوحدة

***

مرت الأيام سريعاً، تتسابق بلا هوادة، وكل هذا يذهب من عمرنا

كان كل شيء طبيعياً

أنا أدرس في الجامعة

أبي يذهب إلى عمله

أمي تذهب للجمعية الخيرية

عامر يذهب إلى الجامعة

كل شخص منا انشغل في حياته ولم يعبأ بالآخرين

هذا ما كنت أظنه، هذا ما كنت أعتقده، هذه هي الأفكار التي كنت أحملها داخل عقلي

تتتابع الليالي والأيام، تغيب الشمس ليظهر القمر، وتشرق الشمس طاردة القمر من مكانه

بدأ الصيف يلملم ثوبه مستعداً للرحيل وبدأ الخريف الكئيب بالدخول

بدأت أشجار الحديقة تصطبغ باللون البرتقالي والأصفر وتلقي بفستانها الأخضر بعيداً

لا أحب الخريف، يشعرني بالكئابة، بالرغم من أن خريف بلادي لا يشابه خريف البلدان الأوروبية

فهناك عالم آخر، تجد الأشجار اصطبغت باللون الأحمر والبرتقالي والبنفسجي، وتمتلئ الأرض بالأوراق

ويشتد الهواء وتكاد الشمس أن تختفي

بينما في بلادي، لا يمكن معرفة الخريف إلا ببعض نسماتٍ من الهواء البارد ليلاً

لم تصلني أي دعوة لأي احتفال في الفترة الأخيرة

أمي أيضاً لاحظت أنها لم تعد تخرج من المنزل كثيراً، من الجمعية للمنزل ومن المنزل للجمعية

أما أبي فأصبح يغيب بالأيام ويعود مرهقاً ليدخل وينام

لم يعد يأكل ولم يعد يتحدث، لا أعرف ما الذي يحدث…ولا أود أن أعرف

كل مايهمني هو أني مازلت جميلة وأنني مازلت أعيش هنا في هذا القصر وأننا مازلنا نمتلك الأموال

وظاهرياً جميعنا نتمتع بصحة جيدة، ربما هناك شيء بسيط يعكر حياتهما

لا يهمني لم لا تصلني دعوات الحفلات وحفلات الزفاف

ولا يهمني لم لم تدعوني ديمة مثل باقي صديقاتي عندما قررت السفر لتشتري جهاز زفافها

لا يهمني لمَ لم تعد تخرج والدتي وهي التي لم يكن يمر يوم عليها دون أن تذهب لإحدى صديقاتها أو تأتي إحداهن لزيارتها

عامر ما زال يدعو أصدقائه كل ليلة في الملحق، يبدو أن عامر هو الشخص الوحيد الذي لم يتغير شيء في حياته

!!ما زال أصدقائه حوله وما زال يدرس في الجامعة وما زال يضحك لا مبالياً وما زال يكتب الشعر كل ليلة

***

أين أنا؟

ما هذا المكان؟

لم أنا هنا؟

ظلام دامس يحيط بي

أشعر بوجود البشر من حولي لكني لا أتبينهم ولا أستطيع رؤيتهم

سلط ضوء قوي فجأة علي

وقفت ووضعت يدي أمام عيني لأن الضوء كان مزعجاً

رأيت آلالاف الأشخاص الذين يرتدون الأقنعه الملونة يجلسون على مدرجات مرتفعة

وأنا في الأسفل وفي الوسط حيث يراني الجميع

انعكست صورتي على عدة مرايا

شعري مشعث وحافية القدمين وفستاني ممزق

أردت أن أصرخ وأن أتكلم لكن صوتي لم يسعفني

سمعت صرخة قوية: وقوف

توقفت الهمسات

وارتفعت منصة كمنصة القضاة، وجلس فوقها ثلاثة قضاة ضخام الجسد يرتدون أقنعة الجوكر

شعرت بالخوف الشديد وهم ينظرون إلي باشمئزاز وسخرية ويتهامسون

ثم قال القاضي بصوت جهوري: بعد الإطلاع على كافة الأدلة، وبالإجماع، المتهمة مذنبــــــــــــة

حاولت أن أصرخ أو أهرب، لكن سقطت زنزانة عظيمة لتسجنني داخلها

أمسكت بالقضبان وأخذت أصرخ بصوت مختفي لكن لم يصل صوتي لأي شخص

وخرجوا جميعاً وهم يضحكون….يضحكون….يضحكون

فتحت عيني وأنا مرعوبة، شعرت وكأن قلبي يود الهرب من صدري، وضعت يدي على صدري وحاولت التنفس بعمق

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…كابوس…كابوس:

حاولت العودة للنوم، لكن التوتر منعني من الراحة

نهضت من سريري وسكبت كأس ماء بارد لي

وخرجت إلى الشرفة لأستنشق نسيم الليل

كان الهواء عليلاً يطيب القلب، والأشجار تتمايل بانسجام، وأوراق الشجر تتأرجح بخفة على الأرض

سمعت صوت ضحكة عميقة تنتقل عبر الليل

تلفت من حولي متطلعة أبحث عن صاحب الصوت، لابد أنه أحد أصدقاء عامر

ولكن كيف يصل صوته إلى هنا؟

رأيت ثوباً أبيض تحت النخلة الكبيرة القريبة من شرفتي

كان يقف لوحده، عريض المنكبين، طويل القامة

يرتدي “شماغ”مكوي بعناية، ويتحدث في هاتفه المحمول

هل يحادث فتاة؟

لم أستطع سماع ما يقول لكن ضحكاته الهادئة تخبرني أنه يحادث فتاة ما

شربت الماء الذي بيدي، وهممت بالدخول ولكن قبل أن ألتفت

فوجئت بالشاب يقفل هاتفه ويتحرك من مكانه، ظللت متسمرة في مكاني لثواني

التقت نظراتنا وبدى متفاجئاً وكأنه لم يتوقع رؤية أحدهم، لم يطل نظره أبداً، ربما ثانتين أو ثلاثة

ثم أشاح بنظره وابتعد عن المكان، اضطربت نبضات قلبي، وشعرت بالإحراج، بدى كما لو أني كنت أتجسس عليه

عدت لحجرتي، وحاولت جاهدة النوم، من التي كان يحادثها؟

هل هي زوجته؟ هل هي حبيبته؟ هل هو شاب ماكر يخدع الفتيات ويحادثهن ثم يهددهن؟

وضعت المخدة فوق رأسي، لم أفكر بشيء بمثل هذه التفاهة

هل اختفت الأشياء في الدنيا التي علي التفكير بها؟

لكــــــــــن….لقد كان وسيماً…نعم شديد الوسامة في الحقيقة

بالتأكيد…وسامته لا تقارن بجمالي أو جمال من في عائلتي

لكنه أيضا وسيم…وأنيق جداً….ويبدو مختلفاً عن بقية أصدقاء عامر

أشعر بالراحة، خف التوتر الذي كان يملؤني، أنا واثقة من أن الغد سيحمل أخباراً طيبة

وأنه سيكون أجمل بكثير مما مضى

***

مضى شهر آخر في غاية الهدوء، واقتربت عطلة عيد الأضحى

في العادة نقضي عيد الأضحى في دبي عند بعض أصدقاء والدي

لكن والدي هذه المرة لم يقل لنا أي شيء ولم يفصح في رغبته بالذهاب

كما أنه خلال الفترة السابقة كان يتصل بعائلته كثيراً

لذا ربما سنقضي هذا العيد معهم على غير العادة

أنهيت اختباراتي في الجامعة، وقررت أن أتغيب عن باقي المحاضرات غير المهمة

كنت أتصفح الشبكة العنكبوتية، عندما سمعت صوت صراخ مروع

وقفت بسرعة، وجريت في اتجاه مصدر الصوت، نزلت الطابق السفلي

كيف يمكن لصوت والدتي أن يصل إلى حجرتي بسهولة؟

هل أصابها مكروه؟

هل قررت أخيراً أن تفصح عما في صدرها اتجاه والدي؟

وجدتها لوحدها في الصالة الضخمة، وتحفة ثمينة ونادرة تحطمت إلى ألف قطعة على الأرض

لم أتحدث وقفت بعيداً أرقب الوضع

ربما مات أحدهم؟

هل توفي أحد من عائلتها؟

لكنها قاطعتهم منذ سنوات بعيدة

هل حدث شيء لأبي؟

ربما لـ عامر؟

ابتعلت ريقي وقلت بصوت شبه ثابت: ما الأمر أمي؟ هل حدث مكروه لأحدهم؟

تنبهت لوجودي وأخذت ترتعش وتضع يديها على رأسها وتشد شعرها بخوف

كلا، كلا،كلا لا أريد هذا، سأذهب إلى والدي، لا أود الاستمرار في العيش هنا:

واسرعت باتجاه السلالم ومنها إلى حجرتها الواسعة، لحقت بها وأنا أكاد أتعثر

من فستاني الطويل الصيفي، رأيت والدتي تضع مجوهراتها في حقيبة ضخمة

قالت وهي تنظر في اتجاهي: لا أعرف إذا كان جدكِ سيوافق على إيوائكِ معي

لكني راحلة…أنا راحلة…لا أستطيع العيش بعد هذا…الأمر مرعب….ما الذي سيحدث لي إذا عشت معه بعد هذا؟

لم أتحرك من مكاني، رفض عقلي فهم الأمر، سمعت أصوات خطوات سريعة على السلالم

دخل عامر مسرعاً وهو يلهث، واتجه ناحية والدتي محاولاً تهدئتها، لكنها صرخت وأبعدته

ابتعد عني…لن أسمع أي كلمة…الأمر مخيف مخيف…ظل والدك يكذب علي طيلة الفترة الماضية:

ثم أردفت وهي تنظر في اتجاهي: ما بكِ تقفين هكذا؟ ألم تفهمي بعد؟ كل أولئك الصديقات اللواتي ابتعدن عنك! ولمَ لم يدعونا أحد مجدداً! ألم تفهمي الأمر؟

ألم تفهمي لم طردوني من الجمعية الخيرية؟ لأني لم أعد أستطيع دعمهم لأني لا أستطيع التبرع بمبالغ كبيرة كالسابق وبإقامة الحفلات الباذخة على حسابي

تطلعت في وجه عامر الذي كانت عيناه ممتلئتان بالدموع ويفرك يديه بقلة حيلة

أين أبي؟ أين أبي؟أين أبي؟:

أخذت أصرخ باستمرار وأنا أضع يدي على أذني لا أود سماع شيء، لا أود فهم شيء، كلا هذا كله مجرد كابوس، فقط كابوس

إذا قمت بالعد حتى العشرة، أنا أكيدة من أن الأمر سينتهي، وسأستيقظ من النوم

قلت بصوت عالِ وأنا أغمض عيني بشدة وأضع يدي على أذني

1:

2:

3:

4:

5:

6:

7:

8:

9:

10:

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s